والذي نختاره في ذلك أن المتشابه هو كلّ ما أشكل والتبس المراد به واحتيج في معرفة معناه إلى طلب التأويل ، وسواء كان مشتبه اللفظ وإن اختلف معناه ، أو كان لفظا غير مشبه للفظ آخر ، غير أنّ المراد به لا يعرف ولا يوصل إليه من نفس ظاهره وفحواه ولحنه ، ولكن بالتأمل والاستخراج ، وإنما سمي ما هذه سبيله متشابها لاشتباه معناه واختلاطه والتباسه بغيره عند من لم يعرفه ولم يوف النظر حقّه .
وأصل المتشابه في الكلام أن يشبه اللفظ اللفظ في صيغته وصورته ، وإن اختلف معناهما ، ومنه قوله :
تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ
[ البقرة : 118 ] أي :
أشبه بعضها بعضا في الكفر والإصرار والعتو ، ومنه قوله تعالى في ثمر الجنة :
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
[ البقرة : 25 ] ، يعني في الصورة واللون والهيئة ، وإن اختلفت الروائح والطعوم ، ومنه قولهم : أشبه زيد عمرا في خلقته وحسن هديه وطرائقه ، وقولهم : اشتبه عليّ الأمر إذا ألبس بغيره ، ومنه سمّيت الشّبهة المصوّرة للباطل بصورة الحق شبهة ، ومنه سمّي نصار الباطل ، وأصحاب الحيل والنارنجيات أصحاب الشبه ، / هذا أصل التشابه في اللغة ، وقد يكون المشتبه من كتاب اللّه مشتبها بأن يتفق لفظه وصورته ويختلف معناه ، وقد يكون بأن يغمض ويدقّ ويخفى معناه ، فلا بدّ من تبيين الإمعان بالنظر ، والبحث عنه ، وليس فيه إلا ما قد عرف أهل العلم تأويله ، والمراد بحجّته ودليله وليس في أهل التأويل من قال : إني لا أعرف معنى هذه الكلمة والآية منه ، بل قد فسّروا سائره وبيّنوه وكشفوا عنه ، وكلّ ما يروى عن أحد منهم من السلف ، ومن بعدهم أنه لا يعرف معنى شيء منه ، فإنّه لا معتبر به ، لأنّه خبر واحد ويجب صرفه إلى أنه قد عرفه وفسّره بعد أن كان لا يعرفه ، أو إلى أنّه هو وحده لا يعرف ذلك دون رسول اللّه وصحابته ،