تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 764

مساهمون:

ص٧٦٤

فصل

فإن قالوا : فما وجه قوله :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
[ الأنفال : 68 ] قيل له : معنى ذلك أنه لولا سبق حكمي وأمري بإطلاق أخذ الفداء لكم وتحليل أكل غنائم المشركين من محاربتكم ، وأنني فرّقت في ذلك بينكم وبين من عداكم من الأمم السالفة ، لنا لكم ومسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم ، لأنّه قد روي في السيرة وذكر المفسرون أنّه لم تحلّ الغنائم لأمة نبيّ قبل نبينا عليه السلام وأمة قبل أمّتنا ، وأنّهم كانوا إذا أخذوا الغنائم حازوها ولم يردّوها على المشركين ، ولم ينتفعوا بها ولكن يحرّقونها بالنار ، فأكرم اللّه هذه الأمة وزاد في تفضيله عليها ، والتوسعة في أحوالها ؛ لتحليله لها أخذ الغنائم / والانتفاع بها في وجوه التصرف من الأكل وغيره ، فهذا تأويل قوله :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
، يعني سبق حكمه بإطلاق ذلك . فأمّا قوله تعالى :
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً
[ الأنفال : 69 ] فهذا هو الدال على صحّة ما قلناه ، من أنّني قد أحللت لكم ذلك بعد أن كنت حرمته على سائر الأمم قبلكم ، فسلمتم بأخذه مع التحليل بسبق الكتاب به من العذاب ، ثم أكّد تحليله وإطلاقه وبيان الفرق في ذلك بيننا وبين من سلف من الأمم بقوله تعالى :
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً
أي : لستم في أكله ولحوق مأثم بكم فيه كمن قبلكم ، ممّن حرّمت ذلك عليه ، وإذا كان ذلك كذلك بان سقوط قدحهم في القرآن بهذا الضرب من الاعتراض .