تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 762

مساهمون:

ص٧٦٢
مبعوث بما هو الأحوط للملّة في نظام أمر الشريعة ، فكأنّه قال : ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى وأخذ فداء دون القتل ، والقتل عنده أحظّ ، وما فعلت من ذلك إلا الأحظّ الأصلح في باب الدين وهو أليق بالنبيّ صلّى اللّه عليه وغيره من النبيين ، ويدلك على صحّة هذا التأويل أنّه قد يقوى المسلمين بأخذ الفداء ، وأنّه قد أمّن عليه من أولئك الأسرى ، وآمن خلق من نسلهم وولدوا أنصارا للدين والمسلمين ، ولا يجوز عند كثير من الأمّة أن يأمر اللّه بقتل من في المعلوم أنّه إن بقّاه آمن وأسلم ، ونسل أذكياء طاهرين ، وأنصارا للدين والمؤمنين ، حتى خلطوا وضاقوا ذرعا في جواب هذا السؤال لمّا طولبوا به . فقالوا : كان الأصلح أن لا يقتل من أخذ منه الفداء ، ولكن لم يجز للنبي عليه السلام أن يفعل هذا الأصلح الأصوب إلا بإذن اللّه ، وحتى يكون هذا الذي يشرعه له ويأمره به ، فيكون الأصلح للنبيّ أن لا يأخذ الفداء ، وأن ينتهي عن أخذه حتى يأتيه أمر من اللّه عز وجل بذلك . وهذا يؤول بهم إلى أنّ النبيّ عليه السلام قد كان فعل ما هو الأصلح الأصوب عند اللّه ، ولكنّه فعله بغير أمره وتقدّم بذلك بين يديه ، وهو لا يعلم ما الأصلح من ذلك عند اللّه ، فإن كان قد نهاه عن أخذ الفداء بعقل أو سمع إلا بأن يأمره بأخذه ، فأخذ بغير أمره فقد عصا واعتمد الخطأ وحاشاه من ذلك ، وإن كان لم ينهه عنه فلا معنى لقولهم ليس له فعل ذلك حتى يأذن له فيه ، ولغيرهم أن يقول لهم وليس له الامتناع من أخذه ، وإن كان ذلك الأضرّ في باب الدين ، حتى يحظر اللّه عليه فعل ذلك ، حتى يكون هو النّاهي له عنه والمنزل فيه وحيا ، وهذا جواب من قال منهم قد فعل الأصلح عنده من غير أن يأذن له فيه .
الإنتصار للقرآن — صفحة 762 | محمد بن الطيب الباقلاني