وأمّا تعلّقهم بقوله تعالى :
وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ البقرة : 74 ] ، وقوله :
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ / كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
[ النور : 41 ] ، وقوله :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ
[ الحج : 18 ] ، وقوله :
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ
[ الرحمن : 6 ] ، وقوله :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ الحشر : 21 ] ، فإنّه لا تعلّق لهم في شيء منه ، ولا إحالة فيه بوجه .
وذلك أنّ قوله :
لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً
أي : لو أنزلناه على جبل يعقله ويسمعه لا نقضّ وتصدّع على ما هو عليه من عظمة وصلابة ، ولو كان ممّن يعقل على وجه التقدير ، ويمكن أن يكون أراد أنّنا لو عقّلنا الجبل وأسمعناه القرآن لا نقضّ وتصدّع من خشية اللّه .
فأمّا ما أخبر به من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر وغير ذلك ، وتسبيح هذه الأشياء فإنّما أراد به - وهو أعلم - الإخبار عن ذلّها وتواضعها ، والذلّ والتواضع الحاصل فيها إنّما هو فقرها وحاجتها إلى صانع يصنعها ، ومدبّر يدبّرها ويقيم ذواتها ، ولولاه لم تكن ، وكذلك قوله :
يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
أي : أنّ فيه آثار الصنعة ودلائل الفاقة والحاجة ، فسمي بذلك هبوطا وخضوعا وسجودا وتسبيحا على هذا التأويل ، ولم يرد السجود بالجبهة والتسبيح الذي هو النطق ، قال جرير :
لمّا أتى خبر الزّبير تضعضعت * سور المدينة والجبال الخشّع
وقال ابن أحمر الشاعر :
وعرفت من شرفات مسجدها * حجرين طال عليهما العصر
بكيا الخلاء فقلت إذ بكيا * ما بعد مثل بكاكما صبر