كما أن هناك إشكالات كثيرة في الخبر تظهر منه نكارة هذا المتن ، ولذا يقول صاحب المنار - رحمه اللّه - : « وفي الحديث إشكالات تتعلق بسبب نزول الآيات ، وظاهر سياق القرآن : أنه كان في سفر غزوة تبوك ، وظاهره : أنها نزلت عقب فريضة الزكاة ، والمشهور أنها فرضت في السنة الثانية . وبعدم قبول توبة ثعلبة . وظاهر الحديث ولا سيما بكائه : أنها توبة صادقة ، وكان العمل جاريا على معاملة المنافقين بظواهرهم ، وظاهر الآيات : أنه يموت على نفاقه ، ولا يتوب من بخله وإعراضه ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم وخليفتيه عاملاه بذلك ، لا بظاهر الشريعة وهذا لا نظير له في الإسلام » ا ه « 1 » .
والحق أن سبب نزول قوله تعالى :
« وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ »
إلى قوله :
« وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ »
. ما رواه الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح - كما قال الهيثمي في « المجمع » ( 1 / 108 ) عن ابن مسعود ، قال : اعتبروا المنافقين بثلاث : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر . فأنزل اللّه عزّ وجلّ تصديق ذلك في كتابه :
« وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ »
إلى آخر الآية .
ومن ثم يمكن القول : أن أولى الأقوال وأقربها إلى معنى الآية وبيانها ، ما نقله الإمام الطبري في « تفسيره » بقوله :
وقال قوم : كان العهد الذي عاهد اللّه هؤلاء المنافقون شيئا نووه في أنفسهم ولم يتكلّموا به . اه .
وهذا التفسير ينسجم مع قول اللّه تعالى بعد الآيات التي تتحدث عن أولئك المنافقين الذين أخلفوا اللّه ما وعدوه ، فقال تعالى :
أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
( 78 ) [ التوبة : 78 ] . واللّه أعلم « 2 » .
قلت : وقوله تعالى :
« فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ »
يدلّ على أن الآيات لم تنزل في شخص معيّن .
هامش
( 1 ) « تفسير المنار » ( 10 / 484 ) .
( 2 ) « كشف اللثام عما في كتب التفسير من الأوهام د . أبو عمر نادى بن محمود الأزهري ( 41 - 42 ) .