تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاتجاه العقلي في التفسير — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وكل ما قدمناه من تفسير مقاتل لآيات الصفات يكاد يقترب به من ظاهرية أهل السنة ويبتعد به عن المجسدة والمشبهة بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة . وبذلك نكاد نتفق مع محقق الكتاب فيما قال بعد أن استعرض ما قاله مؤرخو الفرق عن مقاتل « والظاهرة الجديرة بالملاحظة أن تفسير مقاتل ، وكتبه الباقية للآن ، قد خلت خلوّا تاما من القول باللحم والدم المنسوب إليه في كتاب النحل ، فإمّا أن يكون مقاتل قال ذلك في صدر حياته ثم عدل عنه ، أو يكون خصومه تقولوه عليه ، أو يكون القائل باللحم والدم مقاتل بن سليمان آخر ، غير مقاتل بن سليمان المفسّر ، كما ذكر ذلك السكسكي في برهانه ، أو يكون رواة تفسير مقاتل هذبوه وحذفوا منه القول باللحم والدم ، أو يكون مقاتل قال ذلك في علم الكلام ، أو عند جداله مع جهم في الصفات ولم يقله في مؤلفاته » 45 . أمّا ما ينسب لمقاتل من القول بالارجاء فمحقق الكتاب لا ينفيه عنه ، وإن كان يعتبره من مرجئة السنة لا من مرجئة البدعة « وإذا قرأنا تفسير مقاتل أدركنا أنه ليس من مرجئة البدعة الذين يقولون لا تضرّ مع الايمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة ، وفي تفسيره لبعض الآيات نشم رائحة الارجاء عند مقاتل ، ولكن ليس ارجاء البدعة ، بل هو ارجاء السنة أو أقرب الأشياء إلى ارجاء السنة » 46 وإذا كان المعتزلة لا يفصلون في الايمان بين التصديق والعمل ، ويعتبرون الايمان محصلة نهائية لامتزاجهما ، ولا يعدّ التصديق ايمانا حتى يقارنه العمل ، وهذه قضية خلافية بينهم وبين المرجئة بصفة خاصة ، فإن مقاتل يذهب إلى أن الايمان هو التصديق . ففي مادة « ايمان » يحدد لها أربعة وجوه كلها تدور حول معنى التصديق « فوجه منها : الايمان الإقرار باللسان من غير تصديق . . . الوجه الثاني : الايمان : يعني التصديق في السر والعلانية . . . والوجه الثالث : الايمان يعني التوحيد . . . الوجه الرابع : الايمان : يعني ايمانا في شرك » 47 وهي كلها وجوه تفصل بين الايمان والعمل . ويؤكّد موقف مقاتل الارجائي رأيه في مرتكب الكبيرة ، حيث يرى أنه لن يخلد في النار ، بل لا بدّ من خروجه منها ، ودخوله الجنة في نهاية المطاف . يقول في الوجه السابع من وجوه « ما » « ما يعني كما . . . كقوله في هود :
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
أي لأهل النار ، ما داموا فيها أحياء ، فأهل النار لا يموتون فيها أبدا والنار لا تنقطع عنهم أبدا إلّا ما شاء ربك لأهل التوحيد الذين أدخلوا النار فلا يدومون في النار معهم ولكن يخرجون إلى الجنة » 48 ويتضح خلاف المرجئة والمعتزلة في تأويل الآية من قول القاضي عبد الجبار « وجوابنا أن للنار سماء وأرضا وكذلك الجنة ولا يفنيان فهذا هو المراد . وقد قيل إن المراد بذلك تبعيد خروجهم فعلقه تعالى بما يبعد في العقول