إِلى عُنُقِكَ
يقول لا تمسك يدك من النفقة بمنزلة المغلولة يده إلى عنقه فلا يستطيع بسطها ، وكقوله في المائدة
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
قالوا أمسك اللّه يده عن النفقة علينا فلا يوسع في الرزق ، كما فعل لهم في زمان بني إسرائيل فهذا مثل ضربه اللّه تبارك وتعالى » 33 . وهنا لا يجد مقاتل لليد معنى سوى أنها مثل ، وبذلك يلتقي التأويل والمصطلح البلاغي . وواضح أن كلمة « مثل » لا تشير إلى اليد وحدها ، بقدر ما تشير إلى الصورة الكلية ، صورة اليد المغلولة إلى العنق تعبيرا حسيا عن الامساك في النفقة .
وفي مادة « فوق » يضع مقاتل قوله تعالى
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
في الوجه الثاني من وجوه « فوق » يعني أفضل ، فذلك قوله في الفتح
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
يقول فعل اللّه بهم الخير أفضل من فعلهم في أمر البيعة يوم الحديبية » 34 وهو هنا في تفسيره العام للآية يفسر « اليد » بأنها « الفعل » ويؤكد ذلك بوضع هذه الآية نفسها في الوجه الثالث من وجوه « اليد » « والوجه الثالث : يد : يعني فعل . فذلك قوله في يس :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً ،
وقال في الفتح :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
يعني فعل اللّه بهم الخير أفضل من فعلهم في أمر البيعة يوم الحديبية . وقال في يس :
وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ
يعني لم يكن ذلك من فعلهم . وقال في الحج :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
يعني بفعلك » 35 وإذا كان هذا المعنى ينطبق على العبارات « عملت أيدينا » و « قدمت يداك » و « عملته أيديهم » لوجود الفعل « عمل » في اثنتين منهما والفعل « قدم » في ثالثتهما ، فإنه لا يمكن أن ينطبق على قوله تعالى
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
لا بتركيبها ولا في سياقها ومناسبة نزولها . فلم يكن اللّه - عز وجل - في معرض المنّ على المبايعين ، بل كان في معرض الثناء عليهم
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً .
ولقد أدرك الزمخشري سياق الآية وطبيعتها التصويرية حين فسّر الآية « على طريق التخييل فقال
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
يريد أن يد رسول اللّه التي تعلو أيدي المبايعين هي يد اللّه ، واللّه تعالى منزّه عن الجوارح وعن صفات الأجسام ، وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع اللّه من غير تفاوت بينهما كقوله تعالى :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
36 واستخدام الزمخشري لكلمة « تخييل » يثير حساسية مفسّر كابن المنير السني وإن كان لا يعترض على التأويل ، ولكنه يفضل على « التخييل » كلمة « مثل » بقوله : « كلام حسن بعد اسقاط لفظ التخييل وابداله بالتمثيل » 37 ولا يمكن تفسير حساسية ابن المنير إزاء لفظ « التخييل » إلّا بما سبق أن أسلفناه من أن استخدام لفظ « مثل » في القرآن أعطاه شرعية لدى المفسرين عموما لم يتمتع بها أي