تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاتجاه العقلي في التفسير — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
منها : يعلم : يعني يرى فذلك قوله في سورة محمد - صلى اللّه عليه وعلى أهل بيته وسلم - :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
يعني حتى نرى المجاهدين منكم وقد علم اللّه من يجاهد منهم قبل أن يجاهد ولكنه يعني نرى ، ومن لم يجاهد فإن اللّه لم ير جهاده حتى يجاهد ، وقد علم أنه سيفعل وقال في آل عمران :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
عند البلاء يرى صبرهم ، وقال في براءة :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ
يعني ولم ير اللّه
الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ
ونحوه كثير . والوجه الثاني : العلم بعينه ، فذلك قوله :
يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
و
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ
فهذا العلم بعينه يعلم ما كان قبل الخلق وما يكون . والوجه الثالث : علم : إذن : فذلك قوله في هود : فقل
أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ
يعني باذن ( اللّه ) 43 وفي كل هذه الوجوه يحاول مقاتل أن ينفي أولا حدوث علم اللّه ، ثانيا أن للّه علما غير ذاته . وهو في محاولته لنفي حدوث علم اللّه ، يفرق بين العلم والرؤية ، وإذا كانت رأى بمعنى علم جائزة في اللغة ، فإن علم بمعنى رأى تظل محاولة تأويلية من مقاتل لا سند لها من اللغة . والمشكلة سيعرض لها أبو عبيدة والفراء والمعتزلة جميعا بعد ذلك ولهم فيها تأويل يقترب إلى حد كبير من روح النص القرآني . أمّا تأويل العلم في الوجه الثالث بأنه الاذن فهو تأويل يمكن أن يكون سائغا . وبنفس الطريقة التي ينفي بها مقاتل حدوث علم اللّه ، يحاول أن ينفي عن اللّه صفة النسيان الواردة في القرآن الكريم وذلك على أساس أن النسيان صفة من صفات النقص التي تلحق بالبشر ، ولذلك يجعل الوجه الأول من وجهي « النسيان » هو الترك « فذلك قوله في طه :
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ
فترك العهد ، كقوله في تنزيل السجدة :
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
يقول بما تركتم الايمان بلقاء يومكم هذا
إِنَّا نَسِيناكُمْ
يقول : إنا تركناكم في العذاب ، وقال في البقرة :
وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ
يقول لا تتركوا الفضل بينكم ، وقال أيضا
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها
يعني أو نتركها فلا ننسخها » 44 وواضح أن مقاتلا يقرأ الآية الأخيرة على فتح النون لا على ضمها كما هي القراءة المشهورة ، لكن الآية لا تثير اشكالا على أي حال ما دام معنى النسيان هو الترك . غير أن تفسير مقاتل للنسيان في الآيات الأخرى بأنه الترك يوحي بأنه يعتقد أن « النسيان » بمعنى « الترك » حقيقي لا مجازي وذلك قد ينفي عن تفسيره للنسيان في حق اللّه صفة التأويل .
الاتجاه العقلي في التفسير — صفحة 152 | نصر حامد أبو زيد