إلا ما شذ عن بعضهم أن موضعها بعد الفراغ من القراءة ، وقوله تعالى :
( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
« 1 »
)
.
معناه إذا أردت القراءة كقوله :
( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
« 2 »
)
.
وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم :
« إذا توضّأ أحدكم فليستنثر ، ومن أتى الجمعة فليغتسل » .
كل ذلك على حذف الإرادة للعلم بها ، وأظهر الشاطبى رحمه اللّه في نظمه ذلك المقدر المحتاج إليه في الآية ، وهو الإرادة ، فقال إذا ما أردت الدهر تقرأ ، ولم يقل إذا ما قرأت الدهر للكل فاستعذ ، إشارة إلى تفسير الآية ، وشرحها ، وهو كقولك : إذا أكلت فسم اللّه إذا أردت الأكل ، استغنى بالفعل عن ذكر الإرادة لشدّة اتصاله بها ، ولكونه موجودا فيها .
96 - [ على ما أنى في النّحل يسرا وإن تزد * لربّك تنزيها فلست مجهّلا ]
أي استعذ معتمدا على ما أتى في سورة النحل دليلا ولفظا ، وهو قوله سبحانه وتعالى :
( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ )
.
فهذا اللفظ هو أدنى الكمال في الخروج عن عهدة الأمر بذلك ، ولو نقص منه بأن قال : أعوذ باللّه من الشيطان ولم يقل الرجيم كان مستعيذا ولم يكن آتيا باللفظ الكامل في ذلك ، ويسرا مصدر في موضع الحال من فاعل أتى : أي أتى : ذا يسر . أي سهلا ميسرا ، وتيسره : قلة كلماته ، فهو أيسر لفظا من غيره على ما سنذكره ، وزاد يتعدى إلى مفعولين نحو قوله تعالى :
( وَزِدْناهُمْ هُدىً
« 3 »
)
.
والمفعول الأوّل هنا محذوف : أي وإن تزد لفظ الاستعاذة تنزيها : أي لفظ تنزيه ، يريد بذلك أن تذكر صفة من صفات اللّه تعالى تثنى عليه بها سواء كانت صفة سلب أو ثبوت ، نحو أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، إن اللّه هو السميع العليم ، أو أعوذ باللّه السميع العليم ، فكل صفة أثبتها له فقد نزهته عن الاتصاف بضدها ، وقوله : لربك متعلق بتنزيها ، ولا يمتنع ذلك من جهة كونه مصدرا فلا يتقدم معموله عليه ، فإن هذه القاعدة مخالفة في الظروف لاتساع العرب فيها وتجويزها من الأحكام فيها ما لم تجوّزه في غيرها . وقد ذكرت ذلك في نظم المفصل ، وقررناه في الشرح الكبير . ومن منع هذا قدر لأجل تعظيم ربك ، وقيل لربك هو المفعول الأوّل دخلت اللام زائدة : أي وإن تزد ربك تنزيها ؛ وقوله فلست مجهلا : أي منسوبا إلى الجهل ، لأن ذلك كله صواب مروى ، وليس في الكتاب ولا في السنة الثابتة ما يردّ ذلك .
هامش
( 1 ) سورة النحل ، آية : 98 .
( 2 ) سورة المائدة ، آية : 6 .
( 3 ) سورة الكهف ، آية : 13 .