صارت ذات ثلاث نقط ، وإذا نقطت صورة الباء بثلاث صارت ثاء ، وقوله سكنت صفة لذات ثلاث كما تقول :
هند امرأة حسنة ، أي هذه الباء ثاء ساكنة ، والهاء في خفة تعود على لفظ نبوئن ، أراد تخفيف الواو ، وهو مشكل فإن في لفظ نبوئن حرفين مشددين الواو والنون ، وليس في تشديد النون خلاف ، والواو في قوله والهمز واو الحال ، أي صار ثاء ساكنة مع خفة الواو في حال كون الهمز أسرع بالياء ، أي أتى بالياء في مكانه ، أي أبدل الهمز ياء فصارت القراءة لنثوينّهم ، من الثواء وهو الإقامة ، قال الزجاج : يقال ثوى الرجل إذا أقام ، وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه ، قال الفراء :
وكل حسن بوّأته وأثويته منزلا
سواء معناه أنزلته ، قال الزمخشري : ثوى غير متعد فإذا تعدى بزيادة همزة النقل لم يتجاوز مفعولا واحدا نحو ذهب وأذهبته ، والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف إما إجراؤه مجرى لننزلهم ونبوءنهم أو حذف الجار واتصال الفعل ، أو تشبيه الظرف المؤقت بالمبهم :
قلت : فهذا جواب ما روى عن اليزيدي أنه قال : لو كان لنثوينهم لكان في غرف واختار أبو عبيد القراءة الأخرى لإجماعهم على التي في النحل .
( لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
« 1 »
)
.
قال : لا نعلم الناس يختلفون فيه ، فهذا مثله وإن كان ذاك في الدنيا وهذا في الآخرة فالمعنى فيهما واحد قال ورأيت هذا الحرف الذي هو في العنكبوت في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان بالياء معجمة .
قلت : وهذا بعد ما نقطت المصاحف ، وكثر هذا اللفظ في القرآن ، نحو :
( وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ
« 2 »
)
.
( وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
« 3 »
)
.
وقال
( يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ
« 4 »
)
.
وقال
( نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
« 5 »
)
.
وقال
( أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً
« 6 »
)
.
وقيل لفظ الثواء لائق بأهل الآخرة هي دار القرار ، وروى عن الربيع بن خيثم أنه قرأها كذلك ، وقال :
الثواء في الآخرة والنبوّة في الدنيا ، وقد قال اللّه تعالى في حق الكفرة :
( أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ
« 7 »
)
.
وهو في آخر هذه السورة ، فناسب أن يقال للمؤمنين نحو ذلك في الجنة ، وقال سبحانه وتعالى :
هامش
( 1 ) آية : 41 .
( 2 ) سورة يونس ، آية : 93 .
( 3 ) سورة الحج ، آية : 26 .
( 4 ) سورة يوسف ، آية : 56 .
( 5 ) سورة الزمر ، آية : 74 .
( 6 ) سورة يونس ، آية : 87 .
( 7 ) سورة العنكبوت ، آية : 68 .