الدرة التاسعة تدوين القراءات
قيض اللّه تعالى لكتابه المجيد ، الذي
( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )
من دوّن وجوه قراءاته ، وضبط طرق رواياته ، فاجتهدوا في ذلك حق الاجتهاد ، وبذلوا النصح في ذلك للّه ورسوله والعباد ، فأخذوا في جمع ذلك وتدوينه ، فاستفرغوا فيه وسعهم ، وبذلوا جهدهم ، فكان أول إمام معتبر جمع القراءات في كتاب : أبو عبيد « القاسم بن سلام » ، وجعلهم خمسة وعشرين قارئا ، مع هؤلاء السبعة ، توفى سنة أربع وعشرين ومائتين .
ثم تلاه الجماعة ، سالكين سنّته ومقلّدين منّته ، فكثرت التآليف وانتشرت التصانيف ، واختلفت أغراضهم بحسب الإيجاز والتطويل ، والتكثير والتقليل ، وكل له مقصد سنىّ ، ومذهب مرضىّ ، فكان أول من تابعه « أحمد بن جبير » الكوفي ، نزيل أنطاكية ، فجمع كتابا في القراءات الخمسة ، من كلّ مصر واحد ، ثم القاضي « إسماعيل ابن إسحاق » المالكىّ ، صاحب « قالون » ، فألف كتابا جمع فيه قراءة عشرين إماما ، منهم هؤلاء السبعة ، ثم الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، فألف كتابا سماه [ الجامع ] ، فيه نيف وعشرون قراءة ، ثم الإمام « أبو بكر محمد الدّاجونى » فجمع كتابا في الأحد عشر ، وأدخل معهم أبا جعفر ، ثم [ في أثره ] الإمام « أبو بكر أحمد ابن العباسي ، مجاهد » ، أول من اقتصر على هؤلاء السبعة ، فإنه أحب أن يجمع المشهور من قراءات الحرمين ، والعراقين والشام ، إذ هذه الأمصار الخمسة هي التي خرج منها علم النبوة ، من القرآن وتفسيره ، والحديث والفقه ، في الأعمال الباطنة والظاهرة وسائر العلوم الدينية .
فلما أراد ذلك جمع قراءات سبعة مشاهير من أئمة قراء هذه الأمصار ، ليكون ذلك موافقا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن ، لا لاعتقاده ، أو اعتقاد غيره من العلماء ، أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءاتهم .
وقد ألف الناس في زمانه وبعده في القراءات أنواع التآليف ككتاب ( الغاية ) لأبى بكر أحمد بن مهران الأصبهاني ثم ( المنتهى ) في العشر ، « لأبى الفضل بن جعفر الخزاعي » ، ثم ( الإرشاد ) « لأبى الطيب عبد المنعم بن غلبون » ثم ( التذكرة ) « لأبى الحسن طاهر بن غلبون » الحلبي ، نزيل مصر ، و ( الهادي ) « لأبى عبد اللّه بن سفيان القيرواني » و ( المجتنى ؟ ؟ ؟ ، « لعبد الجبار الطرطوسى » ، نزيل مصر ، و ( الروضة ) « لأبى عمر أحمد الطّلمنكىّ » ، أول من أدخل القراءات الأندلس ، و ( التبصرة ) « لأبى محمد مكي بن أبي طالب القيرواني » و « الهداية » « لأبى العباس ابن عمار » المهدوى ، و ( الروضة ) في العشرة المشهورة [ وقراءة ] « الأعمش » ، لأبى على [ الحسن البغدادي ] المالكي