تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إبراز المعاني من حرز الأماني في القراءات السبع — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
ولما أدخل أحد الحرفين في الآخر على سبيل التقريب ونبا اللسان عنهما نبوة واحدة سمى إدغاما . وقيل أصل الكلمة من الخفاء ، ومنه الأدغم من الخيل : وهو الذي خفى سواده ، فالحرف المدغم يخفى ولا يتبين ، يقال : أدغم وادّغم بوزن أفعل وافتعل ، وإنما فعلت العرب ذلك طلبا للخفة لما ثقل التقاء الحرفين المتجانسين والمتقاربين على ألسنتهم ، ويكون في بعض المواضع واجبا ، وفي بعضها جائزا ، وفي بعضها ممتنعا على تفصيل معروف عند علماء العربية . وأما الإدغام في مذاهب القراء فينقسم إلى صغير وكبير : فالصغير ما اختلف في إدغامه من الحروف السواكن ، ولا يكون إلا في المتقاربين ، وهو الذي يأتي ذكره بعد وقف حمزة وهشام على الهمز إلى أوّل باب الإمالة ، وهو في تسعة أحرف يجمعها قولك : ذل ثرب دفنت ، وكل المصنفين في علم القراءات يذكرونه . وأما الإدغام الكبير فحذفه جماعة من المصنفين كصاحب العنوان ومكي والمهدوى ، ومنهم من فرشه على ترتيب السور ، وهو يكون في المثلين والمتقاربين من الحروف المتحركة ، وسمى بالكبير لتأثيره في إسكان المتحرك قبل إدغامه ، ولشموله نوعي المثلين والمتقاربين . ومن شواهد الإدغام الكبير في شعر العرب قول عدى بن زيد :
وتذكّر رّبّ الخورنق إذ * فكّر يوما وللهدى تفكير
فقوله تذكر فعل ماض ورب فاعله . وقال آخر :
عشيّة تّمنّى أن تكون حمامة * بمكّة يؤويك السّتار المحرّم 116 - [ ودونك الادغام الكبير وقطبه * أبو عمرو البصرىّ فيه تحفّلا ]
دونك هنا من ألفاظ الإغراء ، يقال دونك كذا : أي خذه ، والإدغام مفعول به ، وقطب كل شيء : ملاكه ، وهو ما يقوم به ، وقطب القوم : سيدهم الذي يدور عليه أمرهم ، والواو في وقطبه للحال أو للاستئناف ، وقطبه مبتدأ وأبو عمرو خبره ، ثم استأنف جملة أخرى فقال فيه تحفلا : أي في أبى عمرو اجتمع الإدغام ، يقال تحفل المجلس ، وتحفل اللبن في الضرع ، وتحفل الوادي : إذا امتلأ بالماء . ويجوز أن يكون أبو عمرو عطف بيان والخبر فيه تحفلا ، على أن تكون الهاء في فيه للإدغام ، وفاعل تحفل ضمير عائد على أبى عمرو : أي تحفل أبو عمرو في أمر الإدغام من جميع حروفه ونقله والاحتجاج له والقراءة به ، يقال : احتفلت لكذا أو بكذا أو في كذا ، وتحفل بمعناه مثل اكتسب وتكسب ، أراد بذلك أن مدار الإدغام على أبى عمرو ، فمنه أخذ وإليه أسند وعنه اشتهر من بين القراء السبعة ، والإظهار والإدغام كلاهما مروى عن اليزيدي عن أبي عمرو من طريق الدوري والسوسي وغيرهما ، ولم أر بعد في كتاب تخصيص رواية السوسي بذلك عن الدوري « 1 » وقد كان الشيخ الشاطبى رحمه اللّه يقرئ به من طريق السوسي ، ولم يوافق أبا عمرو في المشهور على شيء من الإدغام الكبير سوى حمزة في إدغام
( بَيَّتَ طائِفَةٌ )
.
هامش
( 1 ) وعلى ذلك عمل أهل الأداء الآن ا ه ضياع .