وإظهاره إلا أنه نظر في مواضع الخلاف في الفاتحة ، فبدأ منها بما لا يتكرر في غيرها وهو الخلاف في « ملك ومالك » ثم أردفه بالخلاف فيما وقع فيها وفي غيرها فذكر الصراط وميم الجمع والهاء قبلها ، ثم ذكر باب الإدغام الكبير ، أفرده لطوله وكثرة تشعبه بباب يجمع مسائله وأطرافه . ولأجل « الرحيم مالك » فعله ، واللّه أعلم .
108 - [ ومالك يوم الدّين ( ر ) أو به ( ن ) اصر * وعند سراط والسّراط ل قنبلا ]
هذا من جملة المواضع التي استغنى فيها باللفظ عن القيد ، فلم يحتج إلى أن يقول « ومالك » بالمد أو مد أو نحو ذلك ، لأن الشعر لا يتزن على القراءة الأخرى ، فصار اللفظ كأنه مقيد ، فكأنه قال بالمد كما قال في موضع آخر « وفي حاذرون » المد : أي قرأ « مالك » بالمد الكسائي وعاصم ، وقراءة الباقين بالقصر لأنه ضد المد ، والمد هنا هو إثبات الألف ، والقصر حذفها . وكان التقييد ممكنا له لو قال « ومالك » ممدودا نصير رواته والقراءتان صحيحتان ثابتتان ، وكلا اللفظين من مالك وملك صفة للّه تعالى .
وقد أكثر المصنفون في القراءات والتفاسير من الكلام في الترجيح بين هاتين القراءتين ، حتى إن بعضهم يبالغ في ذلك إلى حد يكاد يسقط وجه القراءة الأخرى ، وليس هذا بمحمود بعد ثبوت القراءتين وصحة اتصاف الرب سبحانه وتعالى بهما ، فهما صفتان للّه تعالى يتبين وجه الكمال له فيهما فقط ، ولا ينبغي أن يتجاوز ذلك .
وممن اختار قراءة مالك بالألف عيسى بن عمر وأبو حاتم وأبو بكر بن مجاهد وصاحبه أبو طاهر بن أبي هاشم ، وهي قراءة قتادة والأعمش وأبى المنذر وخلف ويعقوب ، ورويت عنى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأبي هريرة ومعاوية ، ثم عن الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود وسعيد بن جبير وأبى رجاء والنخعي وأبىّ عبد الرحمن السلمى ويحيى بن يعمر وغيرهم .
واختلف فيه عن علي وعمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنهم أجمعين .
وأما قراءة « ملك » بغير ألف فرويت أيضا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وقرأ بها جماعة من الصحابة والتابعين فمع بعدهم ، منهم أبو الدرداء وابن عمر وابن عباس ومروان بن الحكم ومجاهد ويحيى بن وثاب والأعرج وأبو جعفر وشيبة وابن جريج والجحدري وابن جندب وابن محيصن ؛ وخمسة من الأئمة السبعة ، وهي اختيار أبى عبيد وأبى بكر بن السراج النحوي ومكي المقرى ، وقد بينت كلامهم في ذلك في الشرح الكبير ؛ وأنا أستحب القراءة بهما ، هذه تارة وهذه تارة ، حتى إني في الصلاة أقرأ بهذه في ركعة وهذه في ركعة ، ونسأل اللّه تعالى اتباع كل ما صح نقله والعمل به . ثم قال « وعند سراط والسراط » أي مجردا عن لام التعريف ومتصلا بها . ثم المجرد عن اللام قد يكون نكرة نحو :
( إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
« 1 »
)
( هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
« 2 »
)
( أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
« 3 »
)
.
وقد تكون معرفة بالإضافة نحو :
هامش
( 1 ) سورة الشورى ، آية : 52 .
( 2 ) سورة يس ، آية : 61 .
( 3 ) سورة مريم ، آية : 43 .