من فصول كتابه أن يبرهن عن خلود النفس البشرية لكي يكون على وفاق مع الدّيانة الإسلامية ، والبرهان عن النّفس العقلية أو العاقلة . وقد جاء بثمانية براهين يقول عنها إنه أخذها من الفلاسفة الذين ورثوا أفكار سقراط وأفلاطون وأرسطو . فالنّفس تفهم أكثر وأفضل عندما تتجرد من المحسوس والحس ؛ وهما من خصائص الجسد وتتخلّص منهما في الموت وعندما تصبح جوهرية باقترانها بالعقل الفعّال لا تعود بحاجة إلى الحواسّ الجسدية لكي تتوصل إلى الصّور القابلة للفهم .
إذا تركنا جانبا هذا الثّوب الفيثاغوري الجديد الذي لبسه ابن السيد ، رأينا أنه يقترب كثيرا جدّا من الفلاسفة الأفلاطونيين المحدثين في الأندلس أمثال ابن باجة وابن طفيل وابن رشد الذين - بعد ابن السّيد - استطاعوا أن يلفتوا أنظار الناس إليهم ، لكي يصبّوا عليهم الحرم من قبل اللاهوتيين المسلمين بينما لم يتعرض أحد لابن السّيد كما لو أن فلسفته ظلّت مجهولة . وأنا أعتقد أن هذا الاهمال الذي وجده ابن السّيد عائد إلى أن فلسفته سطحيّة لم يعبأ بها المتعمّقون في دراسة المذاهب الفلسفيّة .
أكثر من حرص ابن السيد على التّوفيق بين الفلسفة والإيمان ، فإن ابن رشد حرص أكثر بكثير من ابن السّيد على التّوفيق بين الفلسفة والدّين في كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتّصال ، وفي كتابه أيضا مناهج الأدلة ومع ذلك فلم يستطع التخلّص من غضب اللّاهوتيين المسلمين . ولكن ابن رشد في شروحه لكتاب النفس لأرسطو قد ترك جانبا كلّ ما له طابع لاهوتيّ ، واقتصر فقط على درس المشكلة بواقعيّتها : « وحدة النفس » عند جميع البشر . فانتقل مذهبه إلى الرّشديين بعده وإلى توما الإكويني معارضه ، مع أن الاثنين : ابن رشد وابن السّيد قالا بوحدة العقل الفعّال ؛ وهذا ما أدى إلى ذلك النّقاش الذي استمرّ طليلة القرون الوسطى المتأخّرة ، فهذا العقل الفعّال هو الخالد وحده في نظر الاثنين : أي ابن رشد وابن السّيد .
الحدائق في المطالب العالية الفلسفية العويصة — صفحة 152
مساهمون: عبد الله بن محمد البطليوسي
ص١٥٢