ولو فعل المعلول الأول لأجل الثاني ، والثاني لأجل الثالث ، وكذلك إلى آخر المعلولات ، لكان ما هو أقصى وأبعد عن واجب الوجود ، أشرف من الأقرب اليه ، فأن الغاية القصوى لا تحصل ألا بعد جميع ما يبتني عليه حصولها . فوجب أن تكون الجسمانيات أشرف من الروحانيات لان كلامنا ههنا ، أنما هو في العلة الغائية ، لا في الغاية التي هي نهاية الفعل .
والعلة الغائية وأن كانت منفية عن واجب الوجود ، فليس بمنفى عنه أنه غاية جميع الموجودات . فأن جميعها - يحسب ما لها من الكمال - طالبة لكمال الواجب لذاته ، ومتشبهة في تحصيل ذلك الكمال بحسب ما يتصور في ذاتها « 1 » من جهة ما يكون على كمال لائق به ، فهو غاية الكل ، ولا غاية له ، بل صدرت عنه الموجودات على أكمل ما يمكن ، لا بمعنى أنه خلقها ناقصة ، ثم كملها بقصد ثان ، بل خلقها منساقة إلى كمالها ، لاستئناف تدبير .
ولو أستأنف تدبيرها في الاكمال بقصد ثان ، لكان ذلك هو الغرض المنفى عنه فجميع الخيرات راشحة من كمال الواجب ، على الغير .
وإرادة الخير للغير هو من كماله .
وإذا كان الطلب والإرادة ذاتيين له ، لم يكن ناقصا ، بل كان ذلك كالوجود ، فإنه أولى له من العدم ، ولم يلزم من ذلك أنه كامل بغيره .
وحصول المطلوب لازم من هذا الكمال الذاتي ، وأولوية الطلب الذاتي كافية في كون الأثر الصادر عنه مطلوبا مترجحا .
والفرق بين فعله ، وفعل الطالب للشيء الذي أنما يطلبه ، ليستكمل به ، وينجبر نقصانه بسببه ، هو أن المستكمل بفعله يكون كل واحد من الطلب والمطلوب أولى به .
هامش
( 1 ) ك « دحقها » هكذا .