وأما الذي يكون فعله من كماله من غير أن يحصل به كمالا آخر ، فالطلب فقط ، هو الذي يكون أولى به ، دون المطلوب . وليس ذلك الطلب زائدا على ذاته ، كما عرفت ، بل هو ذاته ، وأنما تختلف الأسامي باختلاف الاعتبارات .
ونحن إذا أستقرأنا ( لوحة 367 ) الممكنات ، لم نجد شيئا منها خاليا من وقوع ظل الواجب عليه ، وذلك هو كماله وأن تفاوت .
ولو خلا عن ذلك الكمال ، لما كان موجودا . وذو الكمال ينزع بطبيعته اليه ، إذ هو خيرية هويته ، فلا يزال عاشقا له ، إذا كان حاصلا ، ومشتاقا اليه ، إذا كان مفقودا .
وظاهر أن الحي من الموجودات لا ينفك عن العشق البتة ، لا في حال حصول كماله ، ولا في حال فقده . وغير الحي من الموجودات ، أن كان نباتا فله بحسب القوة الغاذية شوق إلى حصول الغذاء ، عند حاجة المادة اليه ، وشوق إلى بقائه بعد استحالته إلى طبيعته ، وبحسب القوة المنمية شوق إلى تحصيل الزيادة الطبيعية المناسبة ، في أقطار المغتذي .
وبحسب القوة المولدة شوق إلى تهيئة مبدأ الكائن الذي هو من جنس ما هي فيه . وهذه القوى مهما وجدت لزمتها هذه الطبائع العشقية ، فأذن هي في طبائعها عاشقة أيضا .
وغير النبات مما ليس بحي ، أن كان هيولي فمتى عريت عن صورة ، بادرت إلى الاستبدال عنها بصورة أخرى ، أشفاقا عن ملازمة العدم المطلق .
وأن كان صورة فهي تلازم موضوعها ، وتنافي مستحميها عنه ، ولا تزال ملازمة لكمالاتها ومواضعها الطبيعية ، أن كانت فيها ، ومتحركة شوقا إليها متى باينتها ، وكذا كل الاعراض ، فأن عشقها ظاهر بالجد في ملازمة الموضوع ، وذلك بين في ملاحتها الاضداد في الاستبداد به .
الجديد في الحكمة — صفحة 577
مساهمون: ابن كمونة
ص٥٧٧