تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محك النظر — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
فإن قلت فأرى الناس يختلفون في الحدود وهذا الكلام يكاد يحيل الخلاف في الحد أفترى أن المتنازعين فيه ليسوا عقلاء . فاعلم أن الخلاف في الحد يتصور في موضعين : أحدهما أن يكون اللفظ بكتاب اللّه أو سنّة رسوله أو قول إمام من الأئمة ، ويكون ذلك اللفظ مشتركا فيقع النزاع في مراده به ، فيكون قد وجد التوارد على مراد القائل والتباين بعد التوارد ، فالخلاف تباين بعد التوارد . ولذا فلا نزاع بين من يقول السماء قديم وبين من يقول المغصوب مضمون ، إذ لا توارد ، ولو كان لفظ الحد من كتاب اللّه تعالى أو كتاب إمام يجوّز التنازع في مراده ويكون إيضاح ذلك من صنعة التفسير لا من صناعة النظر بالعقل . الثاني أن يقع الخلاف في مسألة أخرى على وجه محقق ويكون المطلوب حدّه أمرا بائنا ولا يحدّ حده على المذهبين فيختلف . كما يقول المعتزلي حدّ العلم اعتقاد الشيء ، ونحن نخالفه في ذكر الشيء ، فإن المعدوم عندنا ليس بشيء ، فالخلاف في مسألة أخرى تتعدّى إلى الحد ، ولذلك يقول القائل حدّ العقل بعض العلوم الضرورية على وجه كذا ، ويخالف من يقول في حدّه إنه غريزة يتهيأ بها إدراك المعقو لات من حيث أنه ينكر وجود غيره ، بل يقول ليس في الإنسان إلا جسم وفيه حياة وعلوم ضرورية إما غريزية أو مكتسبة وعلوم نظرية ، فلا يتميّز بها القلب عن العقب والإنسان عن الذباب . فإن اللّه قادر على خلق العلوم النظرية في العقب وفي الذباب فيثير الخلاف في غير الحد خلافا في الحد . فهذا وإن أوردناه في معرض الامتحان فقد أفدناك به ما يجري على التحقيق مجرى القوانين .

الامتحان الثاني :

اختلف في حد العلم فقيل هو المعرفة وهذا حد لفظي وهو أضعف أنواع الحدود ، فإنه تكرير لفظ بذكر ما يرادفه . كما يقال حد الحركة النقلة ولا يخرج عن كونه لفظيا بأن يقال معرفة المعلوم على ما هو به لأنه في حكم التطويل والتكرير ، إذ المعرفة لا تطلق إلا على ما هو