تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محك النظر — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
الدال على تمام ماهية الشيء . ولا يحتاج في هذا أن يذكر الطرد والعكس لأن ذلك يتبع الماهية بالضرورة ولا يتعرض للازم والعرضي ، فإنه لا يدل على الماهية إلا الذاتيات . فقد عرفت أن اسم الحد مشترك في الاصطلاحات بين الحقيقة وشرح اللفظ والجمع بالعوارض والدلالة على الماهية . وهذه أربعة أمور مختلفة كما دلّ لفظ العين على أمور مختلفة فيعلم صياغة الحد . فإذا ذكر لك اسم وطلب حدّه فانظر ، فإن كان مشتركا فاطلب عنده المعاني التي فيها الاشتراك ، فإن كانت ثلاثة فاطلب ثلاثة حدود ، لأن الحقائق إذا اختلفت فلا بد من اختلاف الحدود . فإذا قيل ما الإنسان فلا تطمع في حد واحد ، فإن الإنسان مشترك بين أمور ، إذ يطلق على إنسان العين وله حد وعلى الإنسان المعروف وله حد آخر وعلى الإنسان المصنوع على الحائط المنقوش وله حد آخر وعلى الإنسان الميت وله حد آخر . فإن الذكر المقطوع واليد المقطوعة تسمّى يدا وذكرا لا بالمعنى الذي كان يسمّى به ، إذ كان يسمّى به من حيث أنها آلة البطش وآلة الوقاع ، وبعد القطع يسمّى به من حيث أن شكله له اسم ولو صنع شكله من خشب أو حجر . أعطي اسمه ، وكذلك يقال ما حدّ العقل فلا تطمع في أن يحدّ بحد واحد وهو هوس لأنه مشترك يطلق على الغريزة التي يتهيأ بها الإنسان لدرك العلوم الضرورية ، ويطلق على العلوم المستفادة من التجربة ، حتى أن من لم تحنكه التجارب بهذا الاعتبار لا يسمّى عاقلا ، ويطلق على من له وقار وهيبة وسكينة في جلوسه وكلامه وهو عبارة عن الهدوء ، فيقال فلان عاقل أي فيه هدوء ، وقد يطلق على من جمع إلى العلم العمل حتى أن الفرس وإن كان في غاية من الكياسة يمنع عن تسميته عاقلا ويقال للحجّاج إنه عاقل بل داهية ، ولا يقال للكافر وإن كان فاضلا في جملة من علوم الطب والهندسة إنه عاقل ، بل إما داهية وإما فاضل وإما كبير . فهكذا تختلف الاصطلاحات فيجب بالضرورة أن تتعدّد الحدود في حد العقل فباعتبار أحد مسمياته إنه بعض العلوم الضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات . وبالاعتبار الثاني إنه غريزة يتهيأ بها النظر في المعقولات ، وهكذا بقية الاعتبارات .