يؤثر « 1 » التبتّل « 2 » والتفرّد والفكر والذّكر ، وينغمس في بحار المعرفة ، ويترك الرّئاسة ، ويستحقر الخلق .
وأمّا من لا خبر له عن المعرفة ولذّتها ، كمتصوّفة هذا الآن ، فتراهم يؤثرون صحبة الجماعة وكثرة الكلام معهم وأكل الشّبهة والحرام في مجلسهم وطلب الحطام بوسيلتهم ، على الخلوة والتّفرّد بذكر اللّه والاشتغال بأمور مقرّبة إليه تعالى « 3 » لا يطّلع عليه غيره . كلّ ذلك لخلوّ قلوبهم عن معرفة اللّه وتسليتهم عنه بغيره . وإلّا فالعارف المحقّق « 4 » يستوحش عن صحبة الخلق ، وحشة الإنسان الحيّ عن مقاربة الأموات في بيت مظلم . بل العارف الرّبّانيّ يستوحش من هذه الحياة الدّنياويّة الّتي تحجبه عن ملاحظة ذاته تعالى على الوجه التّامّ ، ولا يزال « 5 » يريد الموت الطّبيعيّ للوصول إلى لقاء اللّه وحظيرة القدس ، تحقيقا لقوله تعالى :
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ
« 6 » .
فكلّ من يرغب في الدّنيا ويستأنس بصحبة الجماعة ويتحاشى عن التّفرّد منهم « 7 » - إمّا بالموت أو بالخلوة عن الخلق - ويدّعي المعرفة والولاية ، فهو منافق كذّاب « 8 » . قال اللّه تعالى في حقّ اليهود وكشف فضيحتهم وتكذيب دعواهم محبّة الحقّ وولايته :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ ، مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 9 » .
فالعارف يعلم علما يقينيّا تحقيقيّا « 10 » كشفيّا أنّ لذّة معرفته « 11 » ومطالعة
هامش
( 1 ) آس : تؤثر .
( 2 ) مج : التقبّل .
( 3 ) آس : + و .
( 4 ) آس : المحقّ .
( 5 ) آس : لا تزال .
( 6 ) سورهء عنكبوت ( 29 ) ، آيهء 5 .
( 7 ) آس : معهم .
( 8 ) آس : + كما .
( 9 ) سورهء جمعه ( 62 ) ، آيهء 6 .
( 10 ) آس : وتحقيقا .
( 11 ) آس : معرفة اللّه .