لأنّ النّفس النّاطقة لا تدرك الجزئيات ، ولا ترتسم فيها صور المحسوسات « 1 » ، فهي إذن مرتسمة في قوّة جسمانيّة تبصر المبصرات . وهي إمّا القوّة « 2 » الباصرة « 3 » ، وهو باطل ؛ لأنّ هذا الإنسان ربّما كان أعمى ، ولأنّه ربّما شاهد « 4 » ذلك بالّلّيل ، ولأنّ البصر لا يدرك إلّا الموجود في الخارج . فعلمنا أنّ في البدن قوّة جسمانيّة غير القوّة الباصرة ، وهي « 5 » الّتى أدركت هذه الصّور .
فثبت بما ذكرنا أنّ الحسّ المشترك قد يشاهد صورا لا وجود لها في الخارج ألبتّة . وإذا ثبت أنّ هذه الصّور ما وردت عليه من الخارج « 6 » ، وجب أن يكون ورودها عليه من الدّاخل « 7 » . وذلك إذا كان في خزانة الخيال صور « 8 » مخزونة ، فإذا انتقلت إلى الحسّ المشترك صارت محسوسة . أو تركّب « 9 » القوّة المتخيّلة صورا « 10 » ترتسم تلك الصّور في الحسّ المشترك .
واعلم أنّه كما يجوز أن ترتسم الصّور المحسوسة بالحواسّ الظّاهرة في الحسّ المشترك ثمّ تنتقل إلى خزانة الخيال ، فكذلك لا بأس بأن تنتقل « 11 » الصّور الموجودة في خزانة الخيال أو الصّور الّتى تركّبها « 12 » المتخيّلة إلى الحسّ المشترك ؛ لأنّ الحال فيها قريب من الحال بين المرايا المتقابلة .
ولقائل أن يقول : قد بيّنّا فيما مضى أنّكم إذا جوّزتم في الشّىء « 13 » المبصر أو المسموع أن « 14 » لا تكون موجودا في الخارج ، كانت السفسطة لا زمة لكم بحيث لا يكون لكم عنها محيص .
[ الفصل الرّابع عشر [ في بيان ما يمنع النّفس عن الانتقاش وهو : إمّا يرجع إلى الحسّ المشترك إذا كان مشغولا بالصّور المحسوسة ؛ وإمّا يرجع إلى القوّة المفكّرة إذا كانت مشغولة بخدمة العقل أو الوهم ] ]
تنبيه : ثمّ إنّ « 15 » الصّارف عن هذا الانتقاش شاغلان : حسّى خارج « 16 » يشغل لوح الحسّ المشترك بما يرسمه فيه عن غيره كأنّه يبزّه عن الخيال بزّا ويغصبه منه « 17 » غصبا ؛ وعقلىّ باطن أو وهمىّ باطن يضبط التّخيّل عن الاعتمال « 18 » متصرّفا فيه بما يعينه « 19 » . فيشتغل « 20 » بالإذعان له عن التّسلّط على الحسّ المشترك ، فلا يتمكّن من النّقش فيه ؛ لأنّ حركته ضعيفة لأنّها تابعة لا متبوعة . وإذا سكن « 21 »
هامش
( 1 ) - المحسوسات : الجسمانيّات ط ، م ، مج .
( 2 ) - القوّة : بالقوّة ط ، مص .
( 3 ) - وهي إمّا بالقوّة الباصرة : وهي إمّا هذه القوّة أو القوّة الباصرة م .
( 4 ) - شاهد : + شاهد مص .
( 5 ) - وهي : هي س .
( 6 ) - عليه من الخارج : - ط .
( 7 ) - الدّاخل : داخل س ، ط .
( 8 ) - صور : صورة ط .
( 9 ) - تركّب : تركت ط ، م .
( 10 ) - صورا : + وم .
( 11 ) - تنتقل : + إلى ط .
( 12 ) - تركّبها : تركها ط .
( 13 ) - الشّىء : + الواحد مج .
( 14 ) - أنّ : لأن ط .
( 15 ) - إنّ : + هذا مص .
( 16 ) - خارج : خارجىّ م .
( 17 ) - منه : عنه م .
( 18 ) - عن الاعتمال : على الاعتدال مص . : + على الاعتدال س .
( 19 ) - يعينه : يعينه مص .
( 20 ) - فيشتغل : ويشتغل مص .
( 21 ) - سكن : شغل مص .