المذكورة في كلامه أو في كلام غيره منشأ لصدور أشياء كثيرة في الخارج لم تقع الحاجة في صدور الموجودات الجسمانية عن المبدأ الأول إلى اثبات كثرة العقول ، بل يكفى في صدور تلك الكثرات الخارجية عن المبدأ الأول اعتبار كثرة وافرة من أمثال هذه الاعتبارات في الصادر الأول ، ككونه موجودا ، وصادرا ، ومعقولا ، ومعلولا ، وشيئا ، وامرا ، وممكنا عاما ، وممكنا خاصا ، ومفهوما ، وجوهرا ، ومجردا عن المواد ، وثانيا في الوجود ، وجزءا للمجموع الحاصل منه ومن مبدأ ، إلى غير ذلك من المفهومات التي كلها تصلح ان يكون حكاية عن وجود واحد ، لكن الحكماء المحققين لم يعتبروا في الصادر الأول لأجل صدور الكثرة عن المبدأ الأول الا الوجود والماهية ، وربما عبّروا عنهما بالوجوب والامكان تعبيرا عن الشئ بلازمه الاعتباري ؛ وربما عبّروا عنهما بالتعقليتين المذكورتين لما بيّنّا ؛ فجعلوا الوجود والوجوب مبدءا لعقل آخر ، والماهية والامكان مبدءا لفلك آخر . ثم جعلوا الماهية لتقوّمها من المختلفات مبدءا لاختلاف المادة والصورة الخارجيتين في جوهر الفلك اعني النفس والجسم . ولذلك قال الشيخ الرئيس في الإشارات « 1 » : « ومعلوم ان الاثنين انما يلزمان من واحد من حيثيتين ، ولا حيثيتي اختلاف هناك الّا ما لكل شئ منها انه بذاته امكاني الوجود ، وبالأول واجب الوجود ، وانه يعقل ذاته ويعقل الأول ؛ فيكون بما له من عقله الأول الموجب لوجوده وبما له من حاله عنده مبدأ الشئ « 2 » ، وبما له من ذاته مبدءا لشئ آخر » .
فكلامه صريح في أن غير هذه الاعتبارات التي أوردها ليس بمعتبر عنده ، وصريح أيضا في أن اعتبار العقل الأول « 3 » ووجوبه وكونه موجودا عند الأول كلها حيثية واحدة ، هي إحدى الحيثيتين اللتين في ذات الصادر الأول ؛ وكذا القياس في اعتبار أن له ماهية ، وامكانه وتعقّله لماهية حيثية واحدة ، هي أخرى منهما .
هامش
( 1 ) - « شرح الإشارات » ج 3 ، ص 244 - 247 .
( 2 ) - ط : للشئ .
( 3 ) - خ : الاعتبار عقله الأول .