Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 263

Contributors:

P.263
إلى أن الجود الحقيقي هو إفادة الغنى في كل جهة عن الإفادة كمالا ثم عاد إلى بيان الفرق بين الخير والجود الذي كان بصدده فذكر أن ذلك الغنى أي الكمال الذي أفاده الجواد خير بالقياس إلى القابل وهو جود بالقياس إلى الفاعل ثم عمم معنى الخير حتى لا يتوهم أحد أنه كما أن الجود لا يكون جودا إلا بالقياس إلى فاعل لا يكون له غرض ولا لفعله عوض فكذلك الخير إنما يكون خيرا إذا كان بالقياس إلى قابل منفعل به من فاعل لا يكون فعله لغرض ولا لعوض إذ كل كمال لشيء فهو خير بالقياس إليه سواء استفيد من جواد حقيقي أم لا فهذا هو البيان الكاشف عن حقيقة الخير والجود قوله وقد تكلمنا عن العلل وأحوالها وبقي أن يحمل فيها القول فنقول إن هذه العلل الأربع وإن كان يظن بها أنها إلى آخره لما بين أحوال العلل الأربع كلها مشتركة ومختصة بواحدة واحدة منها وقد علمت أن البحث عنها مطلقا من وظائف هذا العلم لأنها من الأقسام الأولية للموجود بما هو موجود فالبحث عن أحوال كل منها إذا أخذ مطلقا مختص بهذا العلم وأنه من المبادي للطبيعيات وغيرها فأراد الشيخ أن يتبين أن النظر في العلل الأربع يجب أن يكون لهذا العلم لا لأجل أن لعلم واحد من العلوم الجزئية أن يتناولها ويبحث عنها بل لو فرض أن شيئا من العلوم لا يتناولها كما يظن في كثير من الأمور الموجودة المترتبة في العلوم أن ليس لها من العلل إلا بعضها بل إلا واحدة منها وهي الصورة كالتعليميات لكان أيضا يجب النظر فيها والبحث عنها في هذا العلم وذلك بوجوه أخرى أحدها أن كونها جميعا مما ينظر فيه ويثبت وجوده ولو لأمور مختلفة وفي علوم متفرقة جزئية مما يستدعي أن تحقق أمرها ويعرف ماهيتها ويثبت وجودها في هذا العلم إذ البحث عن نحو وجود كل شيء في ذمة هذا العلم ما لم يتخصص بأن يكون من الأعراض الذاتية للمتغيرات والمتحركات من حيث تغيرها أو لمتكممات من حيث تكممها وثانيها أنا نرى كثيرا من موضوعات سائر العلوم أنها متحصلة القوام والوجود من العلل الأربع كلها وليس لصاحب العلم الذي موضوعه ذا مباد أن يبحث عن مبادي ذلك الموضوع بل يتسلمها من العلم الذي هو فوق علمه وثالثها أن مطالب هذا العلم ليس مقصورا على معرفة أحوال الأمور التي هي مبادي لسائر العلوم بل معظم البحث فيه عن الأقسام الأولية للموجود بما هو موجود وعن الأمور التي لا يتخصص وجودها بأن يكون متكممة أو متغيرة وهذه العلل كلها فإن الموجود ينقسم إلى فاعل وغاية وصورة ومادة كما ينقسم إلى المتقابلات وإن لم يكن هذه متقابلات إذ لا يلزم أن يكون كل تقسيم تقسيما بالمتقابلين فإنه قد يكون بمانعة الجمع على أن ما توهموه وظنوه أن التعليميات ليست بذوات علل أربع ولأجل ذلك حقروا العلوم التعليمية واستخفوا بها لعدم دلالتها على علة تمامية ليس بحق إذ ليس كل مبدأ فاعلي مبدأ حركة ولا كل غاية غاية حركة ولا كل قابل قابل تغير واستحالة فالأمور التعليمية لإمكان طبائعها وافتقار ماهياتها لا يجب وجوداتها إلا بغيرها لا بذواتها وطبائعها وإن جاز أن يكون مجردة عن المادة في نشأة أخرى كنشأة الخيال والوهم لكنها يلزمها المادة في وجودها الخارجي ومن جهة انفعالات تعرضها من الانقسام وحدوث التشكل والتناهي فنسبة المقادير إلى الأشكال المختلفة والوحدات إلى أنواع العدد كنسبة المواد القريبة إلى الصور ألا ترى أن لمراتب العدد خواص ولوازم وآثار ليس للوحدات بما هي وحدات ولا للعدد بما هو عدد فقد ثبت أن لصور التعليميات مبدأ فاعليا ومبدأ قابليا وحيث وجدا وجد تمام وتمام التعليميات ليس إلا من باب الاعتدال والتحديد والترتيب أما الاعتدال فلكون المستوي من السطح والمستقيم من الخط غير مختلف الأجزاء بالارتفاع والانخفاظ وكون المنحني منها فرجاريا وككون الزاوية القائمة لا حادة ولا منفرجة وكون قوسها ربع الدائرة لا أزيد عليه ولا أنقص منه وكذا الحال في كل قسم من أقسام التعليميات أن لا يكون أزيد من نفسه ولا أنقص منه ليترتب عليه أثره المطلوب منه وأما التحديد فكما في الأشكال فإن لكل شكل حدا واحدا أو حدودا يتم بها وجوده فوجود المثلث يتم بالحدود الثلاثة والمربع بالأربعة وهكذا أو الدائرة أيضا إنما يتم وجودها بأن يحيط بها خط واحد مستدير بجميع جوانبها فإذا أنقض الخط عن ذلك كانت الدائرة ناقصة غير تامة وأما الترتيب فكما في أقسام العدد فإن كل نوع من أنواع العدد إنما يتم وجوده بأن يكون آحاده موجودة مترتبة فهذا ونحوه معنى التمام في الأمور التعليمية فإن لم يسم أحد هذا تماما كان مجرد اصطلاح وإن خص لفظ التمام بما يكون غاية حركة فلا يمكن له أن يمنع كونه كمالا وخيرا ولا أن الخير أمر مطلوب لذاته والشر مهروب عنه مكروه لذاته وكل خير يصيح التعليل به في وجود أمر لأجله كيف وتلك الغايات التي للحركات إنما يعلل بها الحركات والأفعال لكونها خيرات فقط لا لكونها ما يوصل إليها بالحركة حتى إنه لو أمكن نيلها بنحو آخر غير الحركة لكان أيضا نيلها مطلوبا لكن اتفق أن بعض الخيرات مما لا سبيل إليه لبعض الأشياء إلا بالحركة فثبت أن للأمور التعليمية علة غائية قوله ولولا أن الخواص واللواحق التي لهذه هي غايات منادى إليها مباديها لما كان للطالب يطلبها في المواد لتلك الغايات