Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 262

Contributors:

P.262
آخر غير محسوس حتى الثناء والمدح والشهرة والصيت والتخلص من المذمة واكتساب الملكة الفاضلة فمن جاد ليتشرف أو ليحمد أو ليثاب فهو مستعيض ليس بجواد وهذا التعريف أحسن مما ذكره في الإشارات من قوله الجود إفادة ما ينبغي لا لغرض لصدقه على ما لا يسمى جودا وهو إفادة الفاعل الطبيعي شيئا لمادته المنفعلة عنه ثم إن جمهور الناس لغلبة الجسمانية عليهم لا يعتنون بما ليس بمكشوف على الحس لا يعدون مثل الشكر والثناء وما يجري مجراها من الأمور المرغوبة من جملة الأعواض فيظنون أن المفيد لغيرة فائدة يستعيض ويستريح بها شكرا أو ثوابا أو غير ذلك من الأعراض والمقاصد المعنوية جودا ولا يسمونه مبايعا ولا معاملا وليس كذلك بل هو عند التحقيق معاوض لأنه معط وآخذ ومفيد ومستفيد لأن العوض غير منحصر في المال ونحوه بل كل غرض في الحقيقة عوض وكل معط لعوض معاوض حسيا كان الغرض أو عقليا صوريا كان أو معنويا ولو أن المحسن إليه من الجمهور فظن أن الذي أحسن إليه كان غرضه اكتساب منقبة أو فضيلة لذاته لاستخف المنة عليه واستحقر العطية لديه بل أنكرها وأبى أن يسمي المعطي له جوادا فإذا ثبت وتحقق معنى الجود والجواد أعني من أفاد غيره كما لا بوجه من غير أن يكون بإزائه عوض بوجه من الوجوه فكل من فعل فعلا لغرض يرجع إلى عوض فليس فعله جودا ولا الفاعل جوادا وكذا كل مفيد لقابل صورة جوهرية أو لموضوع حالة عرضية وله غاية أخرى يحصل له بوسيلة ما أفاده من الخير وبالحقيقة أو بحسب ظنه فليس بجواد قوله بل نقول إن الغرض والمراد في المقصود لا يقع إلا للشيء الناقص الذات فذلك لأن الغرض إلى قوله وهو المطلوب بذاته مطلقا ثم ترقى الشيخ من هذا المقام وبين أن كل من فعل فعلا لغرض فهو ناقص الذات بوجه من الوجوه فاقد في ذاته لما هو أليق به وأحسن وأولى له ومستعيض كمال وأولوية من غيره فبعكس النقيض كل ما هو كامل من جميع الوجوه فليس لفعله غرض وقد بالغ الشيخ في تحقيق ذلك بأبلغ تحصيل وتفصيل لأن جماعة من علماء الكلام زعموا أن الفاعل الكامل من كل وجه هو الذي يفعل يقصد وغرض إلا أن غرضه إيصال فائدة إلى غيره لا إلى ذاته والشيخ رد عليهم بأن ذلك الغرض الذي هو إيصال الخير إلى الغير أيضا يعود بالأخرة إلى استكمال الفاعل واستفادته كمالا لم يكن حاصلا لذاته قبل الفعل وألفاظ كلامه واضحة غنية عن الشرح واعترض الفخر الرازي في شرحه للإشارات بأن القصد إلى إيصال الفائدة إلى الغير لو لم يكن معتبرا في الجود لوجب أن يقال للحجر الذي سقط من سقف فوقع على رأس عدو إنسان ما فمات ذلك العدو وأنه جواد مطلق لصدق تعريف الجواد عليه وهو إفادة ما ينبغي لا لعوض وأجاب عنه المحقق الطوسي بأن الجواد إنما يكون ما يصدر عنه الجود بالذات لا بالعرض وهاهنا حصول ما ينبغي لم يصدر عن الحجر بالذات لأن الحاصل منه بالذات هو حركة الطبيعية وهي استفادة كمال منه لنفسه لا إيصال كمال لغيره وإنما وقع على رأس إنسان اتفاقا والاتفاق يكون بالعرض ثم إن الوقوع على الرأس لا يقتضي الموت بالذات بل يقتضي اختلال أوضاع الدماغ والأعضاء وللموت سبب آخر يقتضيه بالذات عند اختلال الأعضاء إن المقتضي لموت إنسان لا يكون مقتضيا لموت عدو إنسان آخر بالذات بل بالعرض ثم إن المقتضي لموت عدو إنسان لا يكون مقتضيا لوصول فائدة إلى ذلك الإنسان بالذات بل بالعرض فهذا حال مثاله الذي أورده وكذلك القول في الدواء المصحح أو المزيل للمرض بالعرض وإنما يفعل بالذات كيفية مضادة لكيفية الغير الملائم وهكذا حال الفاعلات الطبيعية فإنها لا تفيد غيرها بأفعالها شيئا إلا بالعرض فإن قلت فلم لم يقيد الشيخ تعريف الجود بأنه ما يكون بالذات أجيب بأنه لو عرف الجواد هي لاحتاج إلى ذكر هذا القيد لكنه لما عرف الجود لم يحتج إليه كما أن من عرف البارد بأنه شيء يصدر عنه كيفية كذا وكذا احتاج إلى أن يقول بالذات أما إذا عرف البرودة بأنها كيفية كذا وكذا لم يحتج إلى أن يقول بالذات انتهى كلامه ويعود إلى ما كنا فيه ونقول حاصل كلام الشيخ أن كل فاعل يفعل فعلا بالطبع من غير إرادة أو بإرادة الغاية فهو ناقص في ذاته مستكمل بغيره قوله وأما الشفقة والرحمة والعطف على الغير والفرح بما يحسن إلى الغير والغم بما يقع به من التقصير وغير ذلك فهي أغراض خاصة لما ذكر أن كل فاعل يكون له مقصد وغرض يفعل لأجله فهو ناقص أراد أن يشير أن النقص والقصور وانحطاط المنزلة يلزم الفاعل من جهة الغايات التي يقصدها ويستكمل بها فكذلك يلزم من جهة بعض المبادي والدواعي للأفعال لأنها انفعالات وذمائم في الحقيقة وإن كان الجمهور يعدونها من المحامد وهي كالشفقة والرحمة والعطوفة والفرح بالإحسان والغم بوقوع التقصير وهذه كلها وإن كانت أحسن من نقائضها ومقابلاتها في أفراد البشر كفظاظة القلب والقسوة والفرح بالإساءة أو التقصير والغم بالإحسان لكنها آفات وعيوب بالقياس إلى أحوال المبادي العقلية وما فوقها وأما إطلاق الرحيم والعطوف ونحوهما على الباري عز اسمه فذلك بمعنى أعلى وأشرف مما يقع على المخلوق قوله فالجود هو إفادة الغنى في جميع الجهات عن الإفادة كمالا لما بين أن الجود لغرض ليس يجود في الحقيقة أشار