إلى أن الجود الحقيقي هو إفادة الغنى في كل جهة عن الإفادة كمالا ثم عاد إلى بيان الفرق بين الخير والجود الذي كان بصدده فذكر أن ذلك الغنى أي الكمال الذي أفاده الجواد خير بالقياس إلى القابل وهو جود بالقياس إلى الفاعل ثم عمم معنى الخير حتى لا يتوهم أحد أنه كما أن الجود لا يكون جودا إلا بالقياس إلى فاعل لا يكون له غرض ولا لفعله عوض فكذلك الخير إنما يكون خيرا إذا كان بالقياس إلى قابل منفعل به من فاعل لا يكون فعله لغرض ولا لعوض إذ كل كمال لشيء فهو خير بالقياس إليه سواء استفيد من جواد حقيقي أم لا فهذا هو البيان الكاشف عن حقيقة الخير والجود قوله وقد تكلمنا عن العلل وأحوالها وبقي أن يحمل فيها القول فنقول إن هذه العلل الأربع وإن كان يظن بها أنها إلى آخره لما بين أحوال العلل الأربع كلها مشتركة ومختصة بواحدة واحدة منها وقد علمت أن البحث عنها مطلقا من وظائف هذا العلم لأنها من الأقسام الأولية للموجود بما هو موجود فالبحث عن أحوال كل منها إذا أخذ مطلقا مختص بهذا العلم وأنه من المبادي للطبيعيات وغيرها فأراد الشيخ أن يتبين أن النظر في العلل الأربع يجب أن يكون لهذا العلم لا لأجل أن لعلم واحد من العلوم الجزئية أن يتناولها ويبحث عنها بل لو فرض أن شيئا من العلوم لا يتناولها كما يظن في كثير من الأمور الموجودة المترتبة في العلوم أن ليس لها من العلل إلا بعضها بل إلا واحدة منها وهي الصورة كالتعليميات لكان أيضا يجب النظر فيها والبحث عنها في هذا العلم وذلك بوجوه أخرى أحدها أن كونها جميعا مما ينظر فيه ويثبت وجوده ولو لأمور مختلفة وفي علوم متفرقة جزئية مما يستدعي أن تحقق أمرها ويعرف ماهيتها ويثبت وجودها في هذا العلم إذ البحث عن نحو وجود كل شيء في ذمة هذا العلم ما لم يتخصص بأن يكون من الأعراض الذاتية للمتغيرات والمتحركات من حيث تغيرها أو لمتكممات من حيث تكممها وثانيها أنا نرى كثيرا من موضوعات سائر العلوم أنها متحصلة القوام والوجود من العلل الأربع كلها وليس لصاحب العلم الذي موضوعه ذا مباد أن يبحث عن مبادي ذلك الموضوع بل يتسلمها من العلم الذي هو فوق علمه وثالثها أن مطالب هذا العلم ليس مقصورا على معرفة أحوال الأمور التي هي مبادي لسائر العلوم بل معظم البحث فيه عن الأقسام الأولية للموجود بما هو موجود وعن الأمور التي لا يتخصص وجودها بأن يكون متكممة أو متغيرة وهذه العلل كلها فإن الموجود ينقسم إلى فاعل وغاية وصورة ومادة كما ينقسم إلى المتقابلات وإن لم يكن هذه متقابلات إذ لا يلزم أن يكون كل تقسيم تقسيما بالمتقابلين فإنه قد يكون بمانعة الجمع على أن ما توهموه وظنوه أن التعليميات ليست بذوات علل أربع ولأجل ذلك حقروا العلوم التعليمية واستخفوا بها لعدم دلالتها على علة تمامية ليس بحق إذ ليس كل مبدأ فاعلي مبدأ حركة ولا كل غاية غاية حركة ولا كل قابل قابل تغير واستحالة فالأمور التعليمية لإمكان طبائعها وافتقار ماهياتها لا يجب وجوداتها إلا بغيرها لا بذواتها وطبائعها وإن جاز أن يكون مجردة عن المادة في نشأة أخرى كنشأة الخيال والوهم لكنها يلزمها المادة في وجودها الخارجي ومن جهة انفعالات تعرضها من الانقسام وحدوث التشكل والتناهي فنسبة المقادير إلى الأشكال المختلفة والوحدات إلى أنواع العدد كنسبة المواد القريبة إلى الصور ألا ترى أن لمراتب العدد خواص ولوازم وآثار ليس للوحدات بما هي وحدات ولا للعدد بما هو عدد فقد ثبت أن لصور التعليميات مبدأ فاعليا ومبدأ قابليا وحيث وجدا وجد تمام وتمام التعليميات ليس إلا من باب الاعتدال والتحديد والترتيب أما الاعتدال فلكون المستوي من السطح والمستقيم من الخط غير مختلف الأجزاء بالارتفاع والانخفاظ وكون المنحني منها فرجاريا وككون الزاوية القائمة لا حادة ولا منفرجة وكون قوسها ربع الدائرة لا أزيد عليه ولا أنقص منه وكذا الحال في كل قسم من أقسام التعليميات أن لا يكون أزيد من نفسه ولا أنقص منه ليترتب عليه أثره المطلوب منه وأما التحديد فكما في الأشكال فإن لكل شكل حدا واحدا أو حدودا يتم بها وجوده فوجود المثلث يتم بالحدود الثلاثة
والمربع بالأربعة وهكذا أو الدائرة أيضا إنما يتم وجودها بأن يحيط بها خط واحد مستدير بجميع جوانبها فإذا أنقض الخط عن ذلك كانت الدائرة ناقصة غير تامة وأما الترتيب فكما في أقسام العدد فإن كل نوع من أنواع العدد إنما يتم وجوده بأن يكون آحاده موجودة مترتبة فهذا ونحوه معنى التمام في الأمور التعليمية فإن لم يسم أحد هذا تماما كان مجرد اصطلاح وإن خص لفظ التمام بما يكون غاية حركة فلا يمكن له أن يمنع كونه كمالا وخيرا ولا أن الخير أمر مطلوب لذاته والشر مهروب عنه مكروه لذاته وكل خير يصيح التعليل به في وجود أمر لأجله كيف وتلك الغايات التي للحركات إنما يعلل بها الحركات والأفعال لكونها خيرات فقط لا لكونها ما يوصل إليها بالحركة حتى إنه لو أمكن نيلها بنحو آخر غير الحركة لكان أيضا نيلها مطلوبا لكن اتفق أن بعض الخيرات مما لا سبيل إليه لبعض الأشياء إلا بالحركة فثبت أن للأمور التعليمية علة غائية قوله ولولا أن الخواص واللواحق التي لهذه هي غايات منادى إليها مباديها لما كان للطالب يطلبها في المواد لتلك الغايات
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 263
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢٦٣