في مادة نفسه والفاعل البعيد للحركة كالنفس المحركة لمادة بتوسط قوة طبيعية غايته لا محالة ليست في مادة بل في نفس الفاعل وكل فعل له فاعل بعيد وفاعل قريب ملاصق لمادته فله غايتان متغايرتان بالذات أو بالاعتبار غاية هي صورة أو عرض في مادة الفعل وغاية هي صورة أو عرض في نفس الفاعل كما سيلوح في كلام الشيخ فمثال القسم الأول أي الغاية التي يكون في القابل لا في الفاعل ولا محالة لم يكن غاية أخيرة للفاعل البعيد كما أشرنا إليه صورة الإنسانية في مادة الإنسانية أعني صورته الطبيعية فإنها غاية للقوة الفاعلة للتصوير في مادة ماهيته لتكوين صورة الإنسان وإليها يتوجه فعل تلك القوة الفعالة بتوسط القوى المباشرة لتحريك تلك المادة وتهيئتها لقبول تلك الصورة ومثال القسم الثاني وهي الغاية التي تكون حصولها في الفاعل لا في القابل ولا محالة هي الغاية التي يؤمها الفاعل هو الاستكان أي متخذا لكن وهو الموضع الذي يستتر به من بيت ونحوه وهو غاية لمستبني البيت وأما الذي هو فاعل البناء أي مبدأ حركة المادة من الطين والنبات والخشب وغيرها على وجه المباشرة إلى أن يقبل صورة البيت مثلا فغايته نفس تلك الصورة والاستكان ليس صورة البيت وصورة البيت غاية للقوة القريبة الملاصقة لتحريك المادة والاستكان غاية للقوة النفسانية الداعية لأن يستبني ويجعل الفاعل للبناء بالقوة فاعلا له بالفعل سواء كان ذلك الفاعل المباشر للبناء أمرا مغايرا له أو متحدا معه ضربا من الاتحاد وحينئذ يكون الغايتان أيضا كذلك فقوله ويشبه أن يكون غاية الفاعل القريب الملاصق لتحريك المادة صورة في المادة وأن يكون ما ليس غايته صورة في المادة ليس مبدأ قريبا للحركة بما هو كذلك هو الذي ذكرناه أولا من أن الغاية هي تمام الفاعل من حيث هو فاعل فإن كانت الغاية صورة مادية كان الفاعل أيضا قوة ملاصقة لها وإن كان الفاعل بما هو فاعل جوهرا روحانيا كانت غايته أيضا صورة أو كيفية روحانية فحينئذ لا حاجة في بيان كون الغاية لها اعتبارات وأقسام شتى إلى التقسيم لها على الوجه الذي ذكره الشيخ من أنها قد يكون في منفعل قابل وقد لا يكون في منفعل قابل فيكون في فاعل بل يكفي أن يقال إن الغاية إذا كانت صورة أو عرضا في قابل منفعل فلها نسبة إلى أمور كثيرة إلى آخر ما ذكره وذلك لأن التقسيم المذكور يوهم أن بعض الغايات خارجة عن أن يكون عائدة إلى فاعلها وليس الأمر كذلك لما علمت مرارا أن كل مقصود لأجله فعل فلا بد أن يكون أمرا لاحقا بفاعل ذلك الفعل ثم لا يخفى أن الفاعل لهذه التغيرات والحركات ليس فاعلا محضا بل هو فاعل ومنفعل جميعا كل منها من جهة وذلك من حيث اشتماله على قوة القبول وتعلقه بالمادة الجسمانية بوجه من الوجوه قوله فإن عرض أن ما غايته صورة في المادة المتعاطاة إلى آخره يعني أنه قد يتفق أن يكون فاعل واحد لفعله غايتان إحداهما صورة أو هيئة في مادة والأخرى أمر ليس في مادة ومثل ذلك بإنسان يبني بيتا ليستكن هو نفسه فيه فيكون له جهتان جهة كونه مستكنا طالبا للكن وجهة كونه بانيا فهو من جهة كونه طالب الكن داعيا إلى البناء وعلة غائية للبناء وعلة فاعلية بعيدة له ومن جهة ما هو بان معلول لما هو مستكن لما علمت من كون فاعلية الفاعل معلولة لما هو علة غائية وعلة أولى فهاهنا كون الباني بانيا معلول لطالب الكن فهاهنا فاعلان أحدهما المستكن وهو الفاعل البعيد والثاني الفاعل المباشر فلها غايتان فيكون الغاية لما هو مستكن هي الكن وهي غير الغائية لما هو بان وهو صورة البيت فيكون الإنسان الواحد له غايتان لأنه مجتمع فاعلين وأما حكم الشيخ بأن وحدته يكون بالعرض فإن أراد بالوحدة بالعرض الوحدة التأليفية التي ليست طبيعية بل بمجرد الاجتماع الذي عرض بتعمل وتصنع فهي وإن كانت كذلك في المثال الذي ذكره من كون إنسان واحد مستبنيا وبانيا ولكن ليست كذلك على وجه الكلية والعموم فرب فاعل لفعل غير صناعي يكون له غايتان غاية هي صورة أو حالة في مادته وغاية هي صورة أو حالة في نفسه بل كل فاعل مركب من نفس وبدن كالفلك وكالحيوان الأراضي يكون لأفعاله النفسانية غايتان وبالحقيقة كما أن ذاته الوحدانية مركبة من جزءين فكذا فعله مركب من
فعلين أحدهما جسماني والآخر تصوري وكذا غاية ذلك الفعل غايتان كالحركة الصادرة عن الفلك فإن نفس الفلك يحرك الطبيعة الفلكية لأجل غاية هي التشبيه بالكامل من جميع الوجوه باستخراج الأوضاع الجسمانية من القوة إلى الفعل وذلك بإرادة بعد إرادة وتصور بعد تصور ووضع بعد وضع فالغاية الأخيرة لنفسه هي إدراك حصول التشبه بالمعشوق الخير والغاية الأخيرة لطبيعة جسمه استيفاء الأوضاع ثم كل حركة جزئية لاشتمالها على وضع بعد وضع لتصور بعد تصور لها غايتان جزئيتان وضع خاص لجسمية الفلك وتصور خاص لنفسه الجزئية والوحدة في الغاية كالوحدة في المبدإ وكالوحدة في الفعل ولا شك أن وحدة الفلك المركب من المبدءين بل من المبادي عقل ونفس وطبيعة وحدة طبيعية فكذلك وحدة الغاية بل الفعل أيضا
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 260
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢٦٠