فظهر أنه قد يكون ما غاية فعله هيئة في مادة وما غاية فعله هيئة ليست في مادة ذاتا واحدة وحدة طبيعية غير عرضية نعم قد يتفق في الأفاعيل الصناعية أن يجتمع في ذات واحدة مبدأ فعلين صناعيين أحدهما بالمباشرة البدنية والآخر لا بالمباشرة وكذا غايتاهما وحينئذ يكون وحدة المبدءين وحدة عرضية كما في المثال المذكور وإن أراد بالوحدة العرضية ما يقابل الوحدة الحقيقية التي لا انقسام فيها فالحكم المذكور صحيح إلا أنه ليس فيه جدوى ظاهر قوله وإذا قد تقرر هذا فنقول أما في القسم الأول فإن للغاية نسبة إلى أمور كثيرة هي قبلها في الحصول بالفعل والوجود إلى قوله وهو بالفعل صورة الأمور الكثيرة التي هي موجودة بالفعل قبل هذا القسم من الغاية أعني التي هي صورة أو عرض في مادة جسمانية أربعة أمور متغايرة وإن كان تغاير الاثنين منها بالاعتبار وهي الفاعل والقابل باعتبار أنه بالقوة والقابل باعتبار أنه بالفعل والحركة فللغاية نسبة إلى كل واحد من هذه الأربعة ولها بحسب كل نسبة من هذه النسب اسم خاص لمعنى آخر بقياسها إلى الفاعل غاية وإلى الحركة نهاية وإلى القابل وهو بالقوة خير وإلى القابل وهو بالفعل صورة ووجه التسمية في كل منها ما ذكره الشيخ وهو ظاهر غني عن الشرح قوله وأما الغاية التي بحسب القسم الثاني فبين أنها ليست صورة للمادة المنفعلة إلى قوله العلة التمامية معناه واضح غني عن الشرح لكن هاهنا بحث وهو أنا لا نسلم أن الغاية في هذا القسم ليست صورة أو عرضا في قابل منفعل وكذا لا نسلم أيضا أنها ليست نهاية الحركة وذلك لأن الغاية المبحوث عنها بكلا القسمين من الغايات التي هي حادثة بعد الفعل والفاعل في مثل هذه الأفعال التي لها غايات حادثة لا يخلو عن حركة وانفعال فإن المحرك الذي لا يتحرك أصلا منحصر في العقل وما فوقه فالنفوس المحركة للأجرام لها غايات أيضا بحسب ذواتها كما ذكره الشيخ وأنها لا يخلو في تحريكاتها لأجرامها من تصورات متجددة جزئية ينتهي إلى غايات تصورية فإذن لا فرق بين القسمين من الغاية إلا بأن القابل في أحدهما مادة جسمانية وأن جهة قبولها وانفعالها تباين جهة الفاعلية بالوجود والذات وفي الأخرى مادة روحانية وأن جهة القبول والقابلية فيها تغاير جهة الفعل والفاعلية تغايرا لا بالمباينة فالاعتبارات والأسامي كلها أو أكثرها جارية في هذا القسم أيضا قوله وأما حال الجود والخير فيجب أن يعلم أن شيئا واحدا له قياس إلى القابل المستكمل وقياس إلى الفاعل إلى آخره الذي ذكره من قبل كان المطلوب فيه بيان الفرق بين معنى الغاية ومعنى الخير والمطلوب هاهنا بيان الفرق بين معنى الجود والخير فذكر الشيخ أولا أن الشيء الواحد الحاصل من فاعل في قابل أي مباين الذات لذات الفاعل له نسبتان نسبة إلى قابله المستكمل به ونسبة إلى فاعله الذي يصدر عنه وإنما قيدنا القابل بكونه مباين الذات للفاعل إذ الصادر من فاعل في قابل متصل به كصدور الحرارة من الصورة النارية في جسمية النار ومادتها مثلا لا يسمى جودا بأي اعتبار أخذ ثم إنه إذا نسب إلى فاعله المباين الذي يصدر منه فلا يخلو إما أن يقتضي لفاعله انفعالا بوجه من الوجوه من جهة سواء كان بنفس ذلك الصادر أو بما يتبعه أو لا يقتضي شيئا من ذلك أصلا فالثاني يسمى جودا والأول لا يسمى جودا عند التحقيق وإذا نسب إلى المنفعل كان خيرا فاعتبر في تسمية الجود جودا أن يكون منسوبا إلى فاعله لا إلى قابله لأن قابل الشيء لا يسمى جوادا له وهو ظاهر وكذا اعتبر في تسميته خيرا أن يكون مقيسا إلى قابله لا إلى فاعله الذي لا ينفعل به بوجه لأن الخير لا بد أن يكون أمرا وجوديا حاصلا للشيء وهذا الأمر المسمى بالجود بالقياس إلى فاعله غير حاصل لفاعله بل لمنفعله واعلم أن مفهوم الجود والخير وما يجري مجراهما من الأمور التي مفهوماتها معان نسبية وكل ما هو كذلك لا بد وأن يكون حدودها الاسمية مشتملة على الأمور التي هي مقيسة إليها ولهذا أخذ في تعريف البناء البناء وفي تعريف الملك المملكة لكن على وجه لا يلزم منه تعريف أحد المتضايفين بالآخر بما هو مضاف بل بالسبب الموقع للإضافة كما قرروه في موضعه ولأجل ذلك أخذ الشيخ أولا في معنى الجود
المقايسة إلى الفاعل وفي معنى الخير المقايسة إلى القابل ثم أراد تعريف الجود بحسب الحقيقة وهو قريب من معناه اللغوي فذكر أولا معناه اللغوي ثم أشار إلى كنه معناه وحدة الحقيقي
[ في بيان حال الجود والخير ]
قوله ولفظ الجود وما يقوم مقامها موضوعها الأول في اللغات إفادة المفيد لغيره فائدة لا يستعيض منها بدلا وأنه إلى آخره قوله وما يقوم مقامه أراد به مثل الكرم والعطاء والإحسان وما يجري مجراها وتقرب معانيها من معنى الجود وقوله إفادة المفيد لغيره فائدة بمنزلة الجنس القريب للجود لصدقه على المعاملة أيضا وما هو بمنزلة جنسه البعيد هو مفاد قولنا إفادة المفيد فائدة فإن مبدأ الأعراض الوجودية القائمة بمادة نفسه كسخونة النار وبرودة الماء مفيد فائدة لنفسه وهو مع ذلك ليس بجواد ولا معامل وقوله لا يستعيض منها بدلا بمنزلة الفصل المميز للجود عن المعاملة بأقسامها كالبيع والشرى والإجارة والمناكحة وغيرها فإن من أفاد لغيره فائدة ليستعيض منه بدلا لم يكن جوادا بل معاملا فقد اعتبر فيه ثلاثة أمور أحدها الإفادة والثاني أن يكون الإفادة لغيره أي لمباينه والثالث أن لا يكون لعوض وعمم العوض من أن يكون جوهرا أو عرضا متقررا في موضوع محسوس أو معنى