الفلكيات منه كما سيجيء بيانه مفصلا والشيخ لما ذكر تمهيدا للجواب عن الشك الثالث وجود الأمور الضرورية التي يلزم الغايات الذاتية وليست هي بغايات بل عرضية وذكر أقسامها الثلاثة وأورد لكل منها مثالا للتوضيح وقد رأى أن وجود مبادي الشرور التي هي أيضا لازمة لبعض الخيرات واقعة بالعرض بعينه من نحو وجود القسم الثاني من هذه الأقسام فنبه على ذلك ليكون المتعلم الناظر في هذا المقام ذا بصيرة واستعدادتهم ما سيأتي في تحقيق مسألة الخير والشر وبالجملة قد فعل هذا أي الخروج عن المقصد الأصلي والغرض كما ذكره تسهيلا على المتعلم وإشفاقا عليه ثم عاد إلى ما كان فيه وقال ولنجب عن الشك المورد فنقول أما أشخاص الكائنات الغير المتناهية فليست هي بغايات ذاتية هذا هو الجواب عن الشك المورد من جهة تجويز عدم التناهي في العلل الغائية ولا بد في دفعه من مقامين أحدهما إقامة البرهان على ناهيها ووقوفها عند غاية لا غاية لها ذاتية والثاني بيان المتعاقبات لا إلى نهاية ليست هي بغايات ذاتية بل عرضية أما المقام الأول فنقول العلل التمامية هي التي يكون مطلوبة لذاتها فلو قدرنا عللا تمامية لا نهاية لها فإما أن يكون هاهنا شيء مطلوب لذاته وإما أن لا يكون كذلك فإن كان فيها لما يكون مطلوبا لذاته فقد انقطع التسلسل وإن لم يكن فيها شيء مطلوبا لذاته فليس هناك علة تمامية فثبت أنه من تجويز التسلسل في العلل التمامية رفع العلل التمامية وإبطالها وأما المقام الثاني فهو أنه إن قيل الحركة الفلكية غير متناهية فإما أن يقال لا غاية لها أو يقال غاياتها غير متناهية وكلا الوجهين على نقيض ما قلتموه وكذلك القول في الحوادث الكائنة الفاسدة وكذلك القول في نتائج مترادفة عن القياسات ولا يتناهى فالجواب عنه كما أشار إليه بقوله فنقول إلى آخره وتقريره أنه ليست الغاية الذاتية للطبيعة المدبرة للعالم الماهيات الجنسية لنقصانها وعدم تمامها مثل أن يوجد جوهر أو جسم بما هو جسم فقط أو حيوان بما هو حيوان فقط ولا أن يوجد شخص معين من النوع بل الغاية الذاتية أن يوجد الماهيات النوعية وجودا دائما فإن أمكن أن يبقى الشخص الواحد منها فحينئذ لا يحتاج إلى الأشخاص ولا إلى توالد وتناسل فلا جرم لا يوجد منها أشخاص وذلك كما في الشمس والقمر وإن لم يمكن بقاء الشخص الواحد كما في الكائنات والفاسدات فحينئذ يحتاج إلى الأشخاص المتعاقبة لا من حيث إن تلك الكثرة مطلوبة بالذات بل من حيث إن المطلوب بالذات لا يمكن حصوله إلا مع ذلك فيكون اللا نهاية في الأشخاص غاية عرضية وإن فرض أن لا تناهي الأشخاص غاية ذاتية فذلك أيضا معنى واحد غير معنى كل شخص فالذي يذهب إلى غير النهاية هو شخص بعد شخص لا لا تناه بعد لا تناه فالذي يؤدي إلى ثان وإلى ثالث وإلى رابع فليس هو بغاية ذاتية لشيء واحد بل لأمور كثيرة والشيء الواحد لا يكون له إلا غاية ذاتية واحدة ونحن إذا أوجبنا التناهي في الغايات فإنما أردنا بها الغايات الذاتية دون العرضية فهذا هو بيان غاية الطبيعة المدبرة للعالم وأما غاية الطبيعة المختصة بالشخص المعين فهي بقاء ذلك الشخص وليس لها غاية سوى ذلك وأما الحركة الفلكية الأبدية فالمقصود منها كما ستعرف خروج الأوضاع الممكنة من القوة إلى الفعل وذلك معنى واحد ولكن لما لم يمكن إلا بتعاقب الأوضاع الجزئية لا جرم صارت المتعاقبة غايات عرضية وأما المقدمات والنتائج فيجب أن يعلم أن المراد بقولنا العلة الغائية متناهية أنه لا يجوز أن يكون لفاعل واحد في فعل واحد غاية بعد غاية إلى غير النهاية فأما أن يكون للأفعال الكثيرة غايات كثيرة فذلك جائز وهاهنا لكل قياس غاية معينة وليس للنفس في ذلك القياس غاية سوى تلك الغاية فهذا لا يناقض ما ذكرناه فهذه زبدة ما ذكره الشيخ وباقي معاني ألفاظه وفوائد كلامه واضحة لا يحتاج إلى تبين قوله وأما الشك الذي يليه فينحل بأن يعلم أن الغاية يفرض شيئا ويفرض موجودا إذ فرق بين الشيء والموجود وإن كان الشيء لا يكون إلا موجودا إلى آخره هذا الشك هو الشبهة الأخيرة التي مبناها على أن العلة الغائية لو كانت موجودة يلزم أن يكون شيء واحد متقدما على نفسه بمراتب ويكون معلول الشيء علة لعلة علته وحلها بيان كيفية علية العلة الغائية وهو
أن العلة الغائية لها ماهية ولها وجود وقد علمت الفرق بين الماهية والشيئية وبين الوجود والهوية وإن لم ينفك أحدهما عن الآخر لما علمت من بطلان مذهب القائمين بثبوت الماهيات المعراة عن الوجودات كالمعتزلة القائلة بشيئية المقدورات وكل علة غير واجبة الوجود فلها ماهية ووجود فالعلة لها ماهية ووجود فهي بماهيتها علة لكون سائر العلل عللا بالفعل فيكون العلة الغائية في وجودها معلولة لمعلول نفسها في شيئيتها ولكن لا مطلقا فإن تلك الشيئية ما لم تكن متصورة معلومة لا يكون علة لشيء قال الإمام الرازي في بعض تصانيفه إن هذا يقتضي أن لا يكون للأفعال الطبيعية غايات لأنه ليس لها تصور ولا إدراك ذلك يناقض مذهب الشيخ وسائر الحكماء حيث ذهبوا إلى أنه ما من فعل طبيعي أو نفساني إلا ولفاعله غاية ذاتية والجواب عنه لوجهين أحدهما ما ذكره المحقق الطوسي في شرح الإشارات وهو التزام أن للطبائع شعورا ولو كان ضعيفا وثانيهما أن الطبائع الجسمانية غير منفكة
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 257
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢٥٧