في عليتها والأكثري ما مختلف فيه عن علة ويكون الأكثري أيضا مع وجود تلك القيود دائميا وهذا الحكم مطرد لا يختلف بالعلل الطبيعية والإرادية فإن الإرادة ما لم يحرم استحال كونها مؤثرة وإذا صارت جازمة وواتت الأعضاء بالحركة ولم يقع سبب مانع أو ناقص للعزيمة تخلف الفعل عنها كالطبيعة فإذا كان الأكثري من جنس الدائم والدائم لا يقال إنه بالاتفاق فالأكثري أيضا كذلك وإذا عرفت ذلك فاعلم أن السبب الذي من شأنه أن يتأدى إلى المسبب لا دائما ولا أكثريا ما هو السبب الاتفاقي فإن من الأمور ما يكون بالتساوي كقعود زيد وقيامه ومنها ما يكون على الأقل كوجود ستة أصابع للإنسان وهما قد يكونان باعتبار ما واجبا فذلك لأنك إذا اشترطت في كون الجنين أن المادة فضلت عن المصروف منها إلى الأصابع الخمس والقوة المختلفة صادفت استعدادا تاما في مادة طبيعية فيجب أن يتخلق إصبع زائد وبالجملة فلو أن إنسانا أحاط بالكل حتى لم يشذ عن علمه شيء لم يكن شيئا موجودا بالاتفاق بل كان كلها واجبا فإن الأمور الموجودة بالاتفاق إنما يكون موجودة بالاتفاق إذا أخذت بالقياس إلى من لم يعلم أسبابها وأما إذا قستها إلى من علم أسبابها لم يكن شيء من الموجودات اتفاقيا ومثال هذا في الإصبع الزائدة فإنها وإن كانت بالقياس إلى الجاهل بأسبابها وبالقياس إلى هذا الشخص اتفاقا فهي بالقياس إلى علم الله وبالقياس إلى الكل والأسباب المكتنفة ليس بالاتفاق وكذلك إذا عثر إنسان في مشيه على كنز فإنه بالقياس إلى العاثر وإلى الجاهل بالأسباب التي ساقت العاثر إلى الكنز بالاتفاق فإما بالقياس إلى علم الله عز وجل والأسباب المكتنفة ليس بالاتفاق بل بالوجوب ثم إن الاتفاق والبخت إنما ينسب إلى ما كان من شأنه أن يكون سببا مؤديا إليه ولكن لا دائما ولا أكثريا وإذا لم يكن مؤديا إليه لم يقل فيه إنه اتفق مثل قعود زيد عند كسوف الشمس فإنه لا يقال قعود زيد اتفق إن كان سببا لكسوف الشمس بل الاتفاق إنما فيما من شأنه أن يؤدي إليه حتى لو فطن الفاعل بما يجري عليه أسبابه وصح أن يريده ويختار يصح أن يجعله غاية كما لو فطن الخارج إلى السوق لأن يلقى الغريم في الطريق فإن خروج العارف بحصول الغريم في جهة مخرجه يؤدي في أكثر الأمر إلى مصادفته وأما خروج غير العارف فربما يؤدي وربما لم يتأد فهو بالقياس إلى العارف غير اتفاقي وبالقياس إلى غير العارف اتفاقي ونقول أيضا إن السبب الاتفاقي قد يجوز أن يتأدى إلى غايته الذاتية ويجوز أن لا يتأدى مثل أن الرجل متوجها إلى دكانه مثلا فلقي غريما له فربما انقطع بذلك عن الغاية الذاتية وهي الدكان وربما لم ينقطع بل تخلص من الغريم ووصل إلى ما قصده وكالحجر الهابط إذا شج فربما لم يهبط وربما هبط إليه فإن وصل إلى غايته الطبيعية فيكون بالقياس إليها سببا ذاتيا وبالقياس إلى الغاية العرضية سببا اتفاقيا وأما إذا لم يصل إليها كان بالقياس إلى الغاية الذاتية باطلا والاتفاق أعم من البخت وكأنهم لا يقولون بختا إلا لما يؤدي إلى شيء يعتد به ويكون مبدؤه إرادة من ذي اختيار نطقي وأما ما مبدؤه طبيعة كالعود الذي يشق فيجعل نصفه في المبال ونصفه في الكنيف فذلك لا يسمى بختا إلا إذا قيس إلى مبدأ آخر إرادي فإن الأمور الاتفاقية يجري على مصادفات تحصل بين الشيئين وأشياء وكل مصادمة فإما أن يكون كلا المتصادمين متحركين إلى أن يتصادما أو يكون أحدهما ساكنا والآخر متحركا إليه فإذا كان كذلك فجائز أن يتفق حركتان من مبدءين أحدهما طبيعي والآخر إرادي يتصادمان عند غاية واحدة يكون بالقياس إلى الإرادي خيرا يعتد به أو شرا يعتد به فيكون حينئذ بختا له ولا يكون بالقياس إلى المحرك الطبيعي يختار وفرق بين ردائة البخت وسوء التدبير فإن سوء التدبير هو اختيار سبب في أكثر الأمر يؤدي إلى غاية مذمومة ورداءة البخت هو أن يكون السبب في أكثر الأمر غير مؤد إلى غاية مذمومة لكن في حق صاحبه يؤدي إليها والشيء الميمون هو الذي قد تكرر حصول أسباب الخير بالاتفاق عند حصوله والمشئوم بالعكس منه فقد علمت أن السبب الاتفاقي ما يكون تأديته إلى المسبب لا دائما ولا أكثريا ووقع بين الأقدمين خلاف عظيم في وجود الأمر
الاتفاقي وعدمه وظاهر أن ذلك الاختلاف ليس في إطلاق لفظ الاتفاقي لأن الاختلاف في الأسامي غير لائق بالمباحث الحكمية بل الاختلاف إنما وقع في أن السبب هل يجوز أن تكون متأدية إلى المسبب على التساوي أو أقليا أم لا فبعضهم جوزه وبعضهم منعه والذي للمانعين أن يتمسكوا به هو أن السبب إما أن يستكمل في شرائط سببية فوجب أن يكون مستقلا بالتأثير فيكون حصول المعلول منه دائما لما مر من امتناع تخلف المعلول عن العلة التامة وإن لم يكن مستقلا بالتأثير فلا بد معه من أمر آخر فيكون المؤثر في ذلك الفعل ذلك المجموع فهو وحدة لا يكون سببا اتفاقيا لأن السبب الاتفاقي لشيء ما من شأنه أن يكون ممكن التأدي إلى ذلك الشيء والحاصل أنه إن كان سببا مستقلا كان واجب التأدي إلى المعلول وإن لم يكن مستقلا فهو ممتنع التأدي إليه والحجة المحكية عنهم في الطبيعيات هذه إذا وجدنا للحوادث أسبابا معلومة
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 255
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢٥٥