امتنع أن يتركها ويطلب لها عللا مجهولة من البخت والاتفاق فإن حافر بئرا ذا عثر على كنز جزم أهل الغباوة بأن البخت السعيد لحقه وإن تزلق رجله حتى انكسر جزموا بأن البخت الشقي لحقه وليس الأمر كذلك فإن كل من يحفر إلى الدفين يجده ويقولون إن فلانا لما خرج ليقعد إلى دكانه رأى غريما فظفر بحقه اتفاقا وليس الأمر كذلك بل كل من توجه إلى مكان فيه غريمه وله حس بصر فإنه رآه ليس لقائل أن يقول لما كانت الغاية في خروجه غير هذه وجب أن لا يكون الخروج إلى السوق سببا حقيقيا للظفر بالغريم لأنا نقول يجوز أن يكون لفعل واحد غايات شتى بل أكثر الأفعال كذلك لكنه يعرض أن يجعل المستعمل لذلك الفعل أحد تلك الغايات غاية فتعطل الآخر بوضعه لا في نفس الأمر لأنه صالح لأن يجعل غاية أليس لو كان هذا الإنسان شاعرا بمقام الغريم هناك كان وصوله إليه غاية له ونقول لمثبتي الاتفاق أن يجيبوا عن الأول فيقولوا إن الأسباب منها بسيطة ومنها مركبة فالبسيطة معلولاتها معها دائما وإلا لكان لا بد معها من قيد زائد فيكون العلة ذلك المجموع فيكون مركبة لا بسيطة وقد فرضنا بسيطة هذا خلف فأما المركبة فإن كان اجتماع أجزائها دائما كان حصول المعلول دائما وإن كان أكثريا كان حصوله أكثريا وكذلك القول في المتساوي والأقلي فاختلاف المعلولات في الدوام والأكثرية والتساوي والأقلية لاختلاف أجزاء العلة في ذلك فإذا عرفت ذلك فنقول إنه وإن كان كل ما لا بد منه في تحقيق العلة فهو جزء من العلة في الظاهر ولكن ربما يكون لجزئه المحصل الوجودي سببا واحدا وحينئذ يصادف الأثر لا محالة وأما سائر الأمور المعتبرة فهي عائدة إلى زوال المانع وتحقيق الشرط وحصول القابل ثم إن كان حصول انضمام سائر القيود مع حصول تلك الذات دائما قيل إن صدور المعلول من العلة دائم وإن كان الانضمام أكثريا جعل ذلك الصدور أكثريا وكذلك في المتساوي والأقلي فإن قيل ذلك الاجتماع إن كان واجبا كان المعلول دائم الوجود وإن كان ممكنا فلا بد من استناده إلى الواجب فيدوم بدوام الواجب فيدوم المعلول لدوامه فنقول إن مصادمات الأسباب متعلقة بالحركة الدورية واتصالات الكواكب فيجوز أن يختلف حال الاجتماع والاقتران بسبب اختلافاتها في سائر الحوادث وأما الحجة المذكورة في الطبيعيات فجوابها أن الغاية قد يراد بها ما ينتهي إليها الشيء كيف كان وقد يراد بها ما يكون مقصودا فالأسباب الاتفاقية غايات بالمعنى الأول وليست غايات بالمعنى الثاني وأما قوله الغاية لا يصير غاية بالوضع فهو غير مسلم ألا ترى أن الوضع والجعل أن يجعل بعضها أكثريا وبعضها أقليا فإن الشاعر بمقام الغريم الخارج إليه يجده في الأكثر وغير الشاعر لا يظفر به في الأكثر فإذا كان اختلاف الجعل مما يختلف به حكم الأكثرية والأقلية فكذلك يجوز أن يختلف به الحكم في كونه اتفاقيا أو غير اتفاقي فهذا بيان الغايات الاتفاقية وتحقيق الحال فيها ودفع الشكوك والشبه الموردة فيها وإنما بسط الكلام في تحقيق هذا المرام لأن اللائق بهذه المباحث لكونها من أحوال الموجود بما هو موجود أن يذكر في هذا الموضع من الفلسفة الأولى دون الطبيعيات والتي ذكرها الشيخ إنما ذكرها على سبيل المصادرة والمبدئية دون أن يكون مسألة فيها ونحن لما كرهنا رجوع الرجل الإلهي في شيء من مسائل علمية إلى صاحب علم جزئي طبيعيا كان أو غيره سيما في المبحث الذي كان مذكورا هناك على سبيل الوضع والتسليم لهذا نرفع الحوالات في أكثر المواضع من شرح هذا الكتاب ونوردها بالفعل كما هو عادتنا في كتابنا الكبير المسمى بالأسفار وهو أربعة مجلدات كلها في الإلهيات بقسميها الفلسفة الأولى وفن المفارقات قوله واعلم أن وجود مبادي الشر في الطبيعة هو من القسم الثاني من هذه الأقسام فإنه مثلا لما كان يجب في العناية التي هي الجود إلى قوله وهذا الكلام اعتراض متعلق بمسألة الخير والشر وقع في هذا البين ليكون إشارة إلى كيفية وقوع الشر في هذا العالم ودفع الشبهة الثنوية القائلين بأن إله الخير لا يجوز أن يكون هو بعينه إله الشر بل لا بد لوجود الشرور الواقعة في هذا العالم من مبدأ آخر غير منته إلى مبدأ الخيرات فقالوا بإلهين اثنين وحاصل ما سيأتي في دفع مذهبهم وحل شبهتهم أن الشر الحقيقي أمر عدمي لا
يستند إلى مبدأ وأما الشرور الإضافية كوجود المضادات والموانع والقواطع للأشياء كالسموم والأفعال الذميمة كالزنى والسرقة ونحوهما والأخلاق الردية كالجهل المركب والحسد والبغض وأشباهها فإنما هي أمور ضرورية تابعة لخيرات كثيرة على سبيل اللزوم كلوازم الماهيات التي جعلها تابعة لجعل تلك الماهيات فلو ترك وجود تلك الخيرات العظيمة لاستلزامها الشرور قليلة بالقياس إليها لزم ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل وذلك غير لا يقال بإله الخير فيجب صدور هذا القسم من الخير أيضا من المبدإ الواحد كما يجب صدور الخير المحض الذي لا يلزمه شر أصلا كوجود المفارقات
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 256
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢٥٦