Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 256

Contributors:

P.256
امتنع أن يتركها ويطلب لها عللا مجهولة من البخت والاتفاق فإن حافر بئرا ذا عثر على كنز جزم أهل الغباوة بأن البخت السعيد لحقه وإن تزلق رجله حتى انكسر جزموا بأن البخت الشقي لحقه وليس الأمر كذلك فإن كل من يحفر إلى الدفين يجده ويقولون إن فلانا لما خرج ليقعد إلى دكانه رأى غريما فظفر بحقه اتفاقا وليس الأمر كذلك بل كل من توجه إلى مكان فيه غريمه وله حس بصر فإنه رآه ليس لقائل أن يقول لما كانت الغاية في خروجه غير هذه وجب أن لا يكون الخروج إلى السوق سببا حقيقيا للظفر بالغريم لأنا نقول يجوز أن يكون لفعل واحد غايات شتى بل أكثر الأفعال كذلك لكنه يعرض أن يجعل المستعمل لذلك الفعل أحد تلك الغايات غاية فتعطل الآخر بوضعه لا في نفس الأمر لأنه صالح لأن يجعل غاية أليس لو كان هذا الإنسان شاعرا بمقام الغريم هناك كان وصوله إليه غاية له ونقول لمثبتي الاتفاق أن يجيبوا عن الأول فيقولوا إن الأسباب منها بسيطة ومنها مركبة فالبسيطة معلولاتها معها دائما وإلا لكان لا بد معها من قيد زائد فيكون العلة ذلك المجموع فيكون مركبة لا بسيطة وقد فرضنا بسيطة هذا خلف فأما المركبة فإن كان اجتماع أجزائها دائما كان حصول المعلول دائما وإن كان أكثريا كان حصوله أكثريا وكذلك القول في المتساوي والأقلي فاختلاف المعلولات في الدوام والأكثرية والتساوي والأقلية لاختلاف أجزاء العلة في ذلك فإذا عرفت ذلك فنقول إنه وإن كان كل ما لا بد منه في تحقيق العلة فهو جزء من العلة في الظاهر ولكن ربما يكون لجزئه المحصل الوجودي سببا واحدا وحينئذ يصادف الأثر لا محالة وأما سائر الأمور المعتبرة فهي عائدة إلى زوال المانع وتحقيق الشرط وحصول القابل ثم إن كان حصول انضمام سائر القيود مع حصول تلك الذات دائما قيل إن صدور المعلول من العلة دائم وإن كان الانضمام أكثريا جعل ذلك الصدور أكثريا وكذلك في المتساوي والأقلي فإن قيل ذلك الاجتماع إن كان واجبا كان المعلول دائم الوجود وإن كان ممكنا فلا بد من استناده إلى الواجب فيدوم بدوام الواجب فيدوم المعلول لدوامه فنقول إن مصادمات الأسباب متعلقة بالحركة الدورية واتصالات الكواكب فيجوز أن يختلف حال الاجتماع والاقتران بسبب اختلافاتها في سائر الحوادث وأما الحجة المذكورة في الطبيعيات فجوابها أن الغاية قد يراد بها ما ينتهي إليها الشيء كيف كان وقد يراد بها ما يكون مقصودا فالأسباب الاتفاقية غايات بالمعنى الأول وليست غايات بالمعنى الثاني وأما قوله الغاية لا يصير غاية بالوضع فهو غير مسلم ألا ترى أن الوضع والجعل أن يجعل بعضها أكثريا وبعضها أقليا فإن الشاعر بمقام الغريم الخارج إليه يجده في الأكثر وغير الشاعر لا يظفر به في الأكثر فإذا كان اختلاف الجعل مما يختلف به حكم الأكثرية والأقلية فكذلك يجوز أن يختلف به الحكم في كونه اتفاقيا أو غير اتفاقي فهذا بيان الغايات الاتفاقية وتحقيق الحال فيها ودفع الشكوك والشبه الموردة فيها وإنما بسط الكلام في تحقيق هذا المرام لأن اللائق بهذه المباحث لكونها من أحوال الموجود بما هو موجود أن يذكر في هذا الموضع من الفلسفة الأولى دون الطبيعيات والتي ذكرها الشيخ إنما ذكرها على سبيل المصادرة والمبدئية دون أن يكون مسألة فيها ونحن لما كرهنا رجوع الرجل الإلهي في شيء من مسائل علمية إلى صاحب علم جزئي طبيعيا كان أو غيره سيما في المبحث الذي كان مذكورا هناك على سبيل الوضع والتسليم لهذا نرفع الحوالات في أكثر المواضع من شرح هذا الكتاب ونوردها بالفعل كما هو عادتنا في كتابنا الكبير المسمى بالأسفار وهو أربعة مجلدات كلها في الإلهيات بقسميها الفلسفة الأولى وفن المفارقات قوله واعلم أن وجود مبادي الشر في الطبيعة هو من القسم الثاني من هذه الأقسام فإنه مثلا لما كان يجب في العناية التي هي الجود إلى قوله وهذا الكلام اعتراض متعلق بمسألة الخير والشر وقع في هذا البين ليكون إشارة إلى كيفية وقوع الشر في هذا العالم ودفع الشبهة الثنوية القائلين بأن إله الخير لا يجوز أن يكون هو بعينه إله الشر بل لا بد لوجود الشرور الواقعة في هذا العالم من مبدأ آخر غير منته إلى مبدأ الخيرات فقالوا بإلهين اثنين وحاصل ما سيأتي في دفع مذهبهم وحل شبهتهم أن الشر الحقيقي أمر عدمي لا يستند إلى مبدأ وأما الشرور الإضافية كوجود المضادات والموانع والقواطع للأشياء كالسموم والأفعال الذميمة كالزنى والسرقة ونحوهما والأخلاق الردية كالجهل المركب والحسد والبغض وأشباهها فإنما هي أمور ضرورية تابعة لخيرات كثيرة على سبيل اللزوم كلوازم الماهيات التي جعلها تابعة لجعل تلك الماهيات فلو ترك وجود تلك الخيرات العظيمة لاستلزامها الشرور قليلة بالقياس إليها لزم ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل وذلك غير لا يقال بإله الخير فيجب صدور هذا القسم من الخير أيضا من المبدإ الواحد كما يجب صدور الخير المحض الذي لا يلزمه شر أصلا كوجود المفارقات
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 256 | صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )