Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 255

Contributors:

P.255
في عليتها والأكثري ما مختلف فيه عن علة ويكون الأكثري أيضا مع وجود تلك القيود دائميا وهذا الحكم مطرد لا يختلف بالعلل الطبيعية والإرادية فإن الإرادة ما لم يحرم استحال كونها مؤثرة وإذا صارت جازمة وواتت الأعضاء بالحركة ولم يقع سبب مانع أو ناقص للعزيمة تخلف الفعل عنها كالطبيعة فإذا كان الأكثري من جنس الدائم والدائم لا يقال إنه بالاتفاق فالأكثري أيضا كذلك وإذا عرفت ذلك فاعلم أن السبب الذي من شأنه أن يتأدى إلى المسبب لا دائما ولا أكثريا ما هو السبب الاتفاقي فإن من الأمور ما يكون بالتساوي كقعود زيد وقيامه ومنها ما يكون على الأقل كوجود ستة أصابع للإنسان وهما قد يكونان باعتبار ما واجبا فذلك لأنك إذا اشترطت في كون الجنين أن المادة فضلت عن المصروف منها إلى الأصابع الخمس والقوة المختلفة صادفت استعدادا تاما في مادة طبيعية فيجب أن يتخلق إصبع زائد وبالجملة فلو أن إنسانا أحاط بالكل حتى لم يشذ عن علمه شيء لم يكن شيئا موجودا بالاتفاق بل كان كلها واجبا فإن الأمور الموجودة بالاتفاق إنما يكون موجودة بالاتفاق إذا أخذت بالقياس إلى من لم يعلم أسبابها وأما إذا قستها إلى من علم أسبابها لم يكن شيء من الموجودات اتفاقيا ومثال هذا في الإصبع الزائدة فإنها وإن كانت بالقياس إلى الجاهل بأسبابها وبالقياس إلى هذا الشخص اتفاقا فهي بالقياس إلى علم الله وبالقياس إلى الكل والأسباب المكتنفة ليس بالاتفاق وكذلك إذا عثر إنسان في مشيه على كنز فإنه بالقياس إلى العاثر وإلى الجاهل بالأسباب التي ساقت العاثر إلى الكنز بالاتفاق فإما بالقياس إلى علم الله عز وجل والأسباب المكتنفة ليس بالاتفاق بل بالوجوب ثم إن الاتفاق والبخت إنما ينسب إلى ما كان من شأنه أن يكون سببا مؤديا إليه ولكن لا دائما ولا أكثريا وإذا لم يكن مؤديا إليه لم يقل فيه إنه اتفق مثل قعود زيد عند كسوف الشمس فإنه لا يقال قعود زيد اتفق إن كان سببا لكسوف الشمس بل الاتفاق إنما فيما من شأنه أن يؤدي إليه حتى لو فطن الفاعل بما يجري عليه أسبابه وصح أن يريده ويختار يصح أن يجعله غاية كما لو فطن الخارج إلى السوق لأن يلقى الغريم في الطريق فإن خروج العارف بحصول الغريم في جهة مخرجه يؤدي في أكثر الأمر إلى مصادفته وأما خروج غير العارف فربما يؤدي وربما لم يتأد فهو بالقياس إلى العارف غير اتفاقي وبالقياس إلى غير العارف اتفاقي ونقول أيضا إن السبب الاتفاقي قد يجوز أن يتأدى إلى غايته الذاتية ويجوز أن لا يتأدى مثل أن الرجل متوجها إلى دكانه مثلا فلقي غريما له فربما انقطع بذلك عن الغاية الذاتية وهي الدكان وربما لم ينقطع بل تخلص من الغريم ووصل إلى ما قصده وكالحجر الهابط إذا شج فربما لم يهبط وربما هبط إليه فإن وصل إلى غايته الطبيعية فيكون بالقياس إليها سببا ذاتيا وبالقياس إلى الغاية العرضية سببا اتفاقيا وأما إذا لم يصل إليها كان بالقياس إلى الغاية الذاتية باطلا والاتفاق أعم من البخت وكأنهم لا يقولون بختا إلا لما يؤدي إلى شيء يعتد به ويكون مبدؤه إرادة من ذي اختيار نطقي وأما ما مبدؤه طبيعة كالعود الذي يشق فيجعل نصفه في المبال ونصفه في الكنيف فذلك لا يسمى بختا إلا إذا قيس إلى مبدأ آخر إرادي فإن الأمور الاتفاقية يجري على مصادفات تحصل بين الشيئين وأشياء وكل مصادمة فإما أن يكون كلا المتصادمين متحركين إلى أن يتصادما أو يكون أحدهما ساكنا والآخر متحركا إليه فإذا كان كذلك فجائز أن يتفق حركتان من مبدءين أحدهما طبيعي والآخر إرادي يتصادمان عند غاية واحدة يكون بالقياس إلى الإرادي خيرا يعتد به أو شرا يعتد به فيكون حينئذ بختا له ولا يكون بالقياس إلى المحرك الطبيعي يختار وفرق بين ردائة البخت وسوء التدبير فإن سوء التدبير هو اختيار سبب في أكثر الأمر يؤدي إلى غاية مذمومة ورداءة البخت هو أن يكون السبب في أكثر الأمر غير مؤد إلى غاية مذمومة لكن في حق صاحبه يؤدي إليها والشيء الميمون هو الذي قد تكرر حصول أسباب الخير بالاتفاق عند حصوله والمشئوم بالعكس منه فقد علمت أن السبب الاتفاقي ما يكون تأديته إلى المسبب لا دائما ولا أكثريا ووقع بين الأقدمين خلاف عظيم في وجود الأمر الاتفاقي وعدمه وظاهر أن ذلك الاختلاف ليس في إطلاق لفظ الاتفاقي لأن الاختلاف في الأسامي غير لائق بالمباحث الحكمية بل الاختلاف إنما وقع في أن السبب هل يجوز أن تكون متأدية إلى المسبب على التساوي أو أقليا أم لا فبعضهم جوزه وبعضهم منعه والذي للمانعين أن يتمسكوا به هو أن السبب إما أن يستكمل في شرائط سببية فوجب أن يكون مستقلا بالتأثير فيكون حصول المعلول منه دائما لما مر من امتناع تخلف المعلول عن العلة التامة وإن لم يكن مستقلا بالتأثير فلا بد معه من أمر آخر فيكون المؤثر في ذلك الفعل ذلك المجموع فهو وحدة لا يكون سببا اتفاقيا لأن السبب الاتفاقي لشيء ما من شأنه أن يكون ممكن التأدي إلى ذلك الشيء والحاصل أنه إن كان سببا مستقلا كان واجب التأدي إلى المعلول وإن لم يكن مستقلا فهو ممتنع التأدي إليه والحجة المحكية عنهم في الطبيعيات هذه إذا وجدنا للحوادث أسبابا معلومة