يعصمه ومبادرة اليد إلى العضو للتحكك من غير فكر ولا روية وأوضح منه أن القوة النفسانية إذا حركت عضوا ظاهرا فإنما يحركه بواسطة الوتر والنفس لا شعور لها بذلك والجواب عما تمسكوا به ثانيا أن الفساد في هذه الكائنات تارة لعدم كمالاتها وتارة لحصول إرادات خارجة عن مجرى الطبيعة فأما الأعدام فليس من شرط كون الطبيعة متوجهة إلى غاية أن يكون واصلة إليها والموت والذبول كل ذلك لقصور الطبيعة عن البلوغ إلى الغاية المقصودة وأما نظام الذبول فله سببان أحدهما بالذات وهو الحرارة والآخر بالعرض وهو الطبيعة ولكل منهما غاية فالحرارة غايتها تحليل الرطوبة فتسوق المادة إليه على النظام فالطبيعة التي في البدن غايتها حفظ البدن ما أمكن بإمداد بعد إمداد ولكن لكل مدد تال فإنه يقع أقل من المسدد الأول فيكون ذلك الإمداد سببا بالعرض لنظام الذبول فهو إذن من حيث هو نظام فهو فعل الطبيعة وإن لم يكن فعل طبيعة البدن ونحن لم نقل إن كل حال للصور الطبيعة يجب أن يكون غاية للطبيعة التي فيها بالذات بل نقول إن كل طبيعة فإنها تفعل فعلها الخاص لغاية لها فأما فعل غيرها فقد لا يكون لغاية لها وأيضا فإن الموت وإن لم يكن غاية نافعة بالقياس إلى بدن زيد فهو غاية بالقياس إلى نظام الكل واجب على ما عرف في علم النفس وأما الزيادات كالإصبع الزائدة في الإنسان فهي كائنة لغاية ما فإن المادة إذا فضلت حركت الطبيعة فضلها إلى الصورة التي تستحقها بالاستعداد الذي فيها ولا يعطلها فيكون فعل الطبيعة فيها لغاية وأما ما نقل في المطر فممنوع بل السبب فيه قرب الشمس وبعدها وهو سبب إلهي لنظام العالم وله غايات أكثرية فالطبيعة على ما عرفته وأما الجواب عما تمسكوا به ثالثا فهو أنه لا يلزم أن يكون لكل غاية غاية بل الغاية الحقيقية يكون مقصودة لذاتها وسائر الأشياء يقصد لها وما يقصد لذاته فلا يقال له لم قصد ولهذا لا يقال لم طلبت الخير والصحة ولم هربت من الألم والجواب عما تمسكوا به رابعا أن القوة المحرقة لها غاية وهي إحالة المحترق إلى مشاكلة جوهرها وأما العقد تارة والحل أخرى فذلك لأن الوصول إلى تلك الغاية في بعض الجواهر بواسطة العقد فتلك من اللوازم الخارجية وأما الغاية الذاتية فهي واحدة بل نقول فعل الطبيعة المسخنة شيء واحد بالذات لغاية واحدة ولكن هذه الآثار المختلفة من الحل والعقد والتسويد والتبييض وغيرها إنما حدثت لأجل اختلاف القوابل والمستعدات وطبائعها فهذه خلاصة ما ذكره الشيخ في الطبيعيات وغيرها في دفع شبهة الاتفاق والبخت الموردة لإبطال الغاية واعلم أن لنا في تحقيق عروض الذبول وكذا في عروض الموت كلام آخر غير ما ذكروه مذكور في بعض كتبنا كالشواهد والأسفار
[ في بيان أن حركة الإرادية فلها مبدء ]
قوله وأما بيان أمر العبث فيجب أن يعرف أن كل حركة إرادية فلها مبدأ قريب ومبدأ بعيد فالمبدأ القريب هو القوة المحركة التي في عضلة العضو والمبدأ الذي يليه هو الإجماع من القوة الشوقية والأبعد من ذلك هو التخيل أو التفكر فإذا رسم في التخيل أو التفكر النطقي صورة فحركت القوة الشوقية إلى قوله جزئية لا تضبط يريد بيان أن فعل العبث والجزاف غاية بالقياس إلى مبدئه الذي هو قوة شوق خيالي وأن تلك الغاية خير لتلك القوة الشوقية الخيالية وإن لم يكن غاية ولا خيرا بالقياس إلى القوة التي هي قبلها ولمحض كلامه أنه يجب أن يعلم أن للحركات مبادي مترتبة بعضها ضرورية بأعيانها وبعضها غير ضرورية بأعيانها فالتي ضرورية بأعيانها منها قريبة ومنها بعيدة فالقريبة هي القوة التي في عضلة العضو والبعيدة هي القوة الشوقية فهذان المبدءان لا بد من حصولهما في كل حركة حيوانية اختيارية ولكل منها غاية يترتب على فعلها ثم إن غاية القوة المحركة التي في العضل هي ما انتهت إليه الحركة وليس لها غاية غير ذلك وأما القوة الشوقية فقد يكون غايتها نفس غاية القوة المحركة وإنما يختلفان بالاعتبار مثل ما إذا انضجر إنسان من المقام في الموضع الذي فيه وتذكر مقاما أوفق بحاله أو مزاجه فاشتاق إلى المقام فيه فتحرك إليه فكان غاية شوقه نفس ما انتهت إليه حركته الذي هو غاية للقوة المحركة القريبة فاتحدت الغايتان وقد يكون غاية المحركة غير غاية الشوقية كما إذا تخيل الإنسان صورة لقاء صديق فيشتاق إليه ويتحرك إلى المكان الذي يقصد مصادفته فيه فغاية القوة المحركة الوصول إلى ذلك المكان وغاية القوة الشوقية مصادفة ذلك الصديق فاختلفت الغايتان واتحدت الغايتان وأقول عندي أنهما متغايران وإنما تغايرا بالذات لا بمجرد الاعتبار إلا أن تغايرهما في المثال الأول من باب تغاير الصورة الخارجية والصورة الإدراكية لشيء واحد فإن المقام في الخير المذكور نفسه غاية القوة المحركة وتصوره وحضوره في النفس مطابقا لوقوعه الخارجي غاية للقوة الشوقية فالمراد بالاتحاد المذكور هاهنا أن لا يكون الغايتان متغايرتين خارجا وتصورا والمراد بالاختلاف بينهما أن تكونا متغايرتين في الخارج أيضا وأما المبدأ الذي لا يجب حصوله بعينه للحركات الاختيارية فهو الفكر والتخيل فإنه وإن كان لا بد من أحدهما إذ كل حركة اختيارية منبعثة عن قوة شوقية هي قبل القوة المباشرة للتحريك والشوق لا ينبعث إلا عن إدراك من قوة تخيلية