تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
نفس المادة الأولية لا المادة مع العوارض وتحقيق هذا المقام يحتاج إلى بعض قواعد عرشية لنا محققة بالبراهين مؤيدة بمكاشفات أرباب الشهود واليقين منها تجويز التبدل في الوجود والاستحالة في الجوهر ومنها تجويز كون الماهيات الكثيرة موجودة بوجود واحد بمعنى أن موجودا واحدا يصير مصداقا لمعاني ماهيات موجودة في غير هذا الموضع بوجودات متخالفة الحقائق فإن المسبوك له صورة جوهرية تفعل فعل النار فيكون نارا بالحقيقة وإن وجد فيه معنى آخر غير النارية إذ لا نعني بالنارية إلا ما له ماهية النار فإن كان المراد من حقيقة كل ماهية كالنار والهواء والإنسان ونحوها ما لا يصدق على موضوعها بالذات غير تلك الماهية فذلك يوجب عدم اتحاد الماهيات الكثيرة بوجود واحد وإن أريد بها ما يكون مصداقا لذلك المعنى الذي هو الماهية سواء وجدت فيها ماية أخرى أم لا فذلك لا ينافي اتحاد الماهيات الكثيرة في وجود واحد والجمهور لا يجوزون اتحاد الأشياء المتباينة في الوجود للاشتباه الواقع لهم بين الأمرين والخلط بين الحقيقية بالمعنيين وموضع بيان هذا المقصد ليس هاهنا قوله وظهر في خلال ذلك إلى آخره إشارة إلى ما ذكره آنفا من أن العلة والمعلول فيما لم يكن العلة فاعلة لوجود نفس المعنى من حيث كونه وجود نفس المعنى بل لخصوصية شخصية له وإن فرضنا تساويهما فيما يقبل الشدة والضعف فإن للعلة تقدما ذاتيا على المعلول من جهة الوجود وقد علمت ما فيه فلا حاجة إلى الإعادة قوله ثم الفاعل الذي ليس منفعله إلى آخره يريد بيان القسم الأول الذي لا مشاركة فيه بين الفاعل ومنفعله في الماهية والمعنى ولا في استعداد المادة إنما المشاركة بينهما في مطلق الوجود لا غير فالحكم فيه كون الفاعل أولى وأقدم في الوجود من المنفعل كما في سائر الأقسام التي كانت للقسم الثاني من كونهما متشاركين في المادة بعد تشاركهما في الماهية والمعنى أو مختلفين فيها ومن كون المعلول مساويا للمبدإ الفاعل أو أزيد أو أنقص فإن الفاعل في بعض تلك الأقسام وإن لم يكن أزيد من المنفعل في المعنى المشترك بينهما لكن كان يجب كون الفاعل في جميع تلك الأقسام غير مساو للمنفعل بحسب اعتبار أصل الوجود بل يكون أولى وأقدم منه في الوجود كما ذكره الشيخ سابقا وأكده فيما بعد ذلك ففي هذا القسم الذي لا مشاركة فيه بينهما أصلا إلا في مطلق الوجود كان الحكم بأن المبدأ الفاعلي غير مساو للمعلول في الوجود أظهر وأبين فإن المساواة في الوجود حيث كانت مرتفعة عن الفاعل فيما إذا كان المعلول مساويا له في المعنى أو أزيد منه فهاهنا أولى وأظهر لأن وجود المنفعل مستفاد من الفاعل والمفيد أولى وأسبق بما يفيده من المستفيد وقد بينا أن هذا الحكم إنما يتم في الفاعل الحقيقي الذي هو بذاته مفيد ومعط للوجود بالقياس إلى ما يفيده بالذات لا بالقياس ما يفيده بالعرض فالأب مثلا لا يجب أن يكون أولى بالوجود من الابن ولا الحركة أولى به من السخونة ولهذا قد يكون السخونة علة كما للحركة قد يكون الحركة علة للسخونة نعم كل من هذه المبادي كان أولى بالوجود مما هو فاعله بالذات كالأب بالقياس إلى تحريك آلة الوقاع مثلا ونحو ذلك كما مر في الكتاب

[ في بيان أن الوجود كم حيث هو لا تشكيك فيه بالشدة والضعف ]

قوله ثم الوجود بما هو وجود لا يختلف في الشدة والضعف إلى آخره هذا الكلام بظاهره يناقض ما هو التحقيق حسبما شيدنا بنيانه وأحكمنا تبيانه في مواضع من كتبنا وعولنا عليه مرارا من أن الوجود في الجوهر أقوى وأشد من العرض وفي الجوهر المفارق أقوى من الجوهر المادي وفي الواجب أقوى وأشد من الممكن وكذا ما في كلام بعض المحققين أن التشكيك بوجوهه الثلاثة بتحقق بين الواجب والممكن فذاته تعالى أشد وأولى وأقدم في نفس الوجود من الممكن لكن مراد الشيخ هاهنا أن الوجود بما هو وجود مطلق غير مختلف في الأفراد ولا ينافي هذا كون بعض الأفراد في حد فرديته يكون أشد من فرد آخر كذلك وهذا على وزان ما ذكره الشيخ في فصل خواص الكم من قاطيغورياس حيث قال ليس في طبيعة الكم تضعف واشتداد ولا تنقص وازدياد لست أعني بهذا أن كمية لا يكون أزيد من كمية وأنقص ولكن أعني أن كمية لا يكون أشد وأزيد في أنها كمية من أخرى إلى آخر ما ذكره فهاهنا أيضا يكون المراد بقوله لا يختلف في الشدة والضعف أن وجودا لا يكون في أنه وجود أي أنه الوجود العام البديهي التصور أشد أو أزيد من وجود آخر كذلك مع كون بعض الوجودات في نفسه أشد أو أزيد وبعضها أضعف وأنقص كما أن سوادا لا يكون في مفهوم السوادية أشد أو أزيد من سواد ولا أضعف منه فيها ولكن قد يكون سوادا في نفس وجوده الخاص أشد أو أزيد من سواد آخر أضعف وأنقص منه ولكن يجب أن يعلم أن كلما هو غير طبيعة الوجود ففيه ماهية كلية ووجود خاص والتفاوت والتشكيك بين أفرادها يرجع إلى نفس الوجودات والهويات الشخصية وأما التفاوت في الوجود أو الشدة والضعف أو الكمال والنقص فكل ذلك إنما يقع في نفس حقيقة الوجود فإن للوجود أيضا حقيقة متفقة في حصصها وأفرادها غير الأمر الانتزاعي الذهني كيف والوجود أولى بأن يكون حقيقة من سائر