Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 238

Contributors:

P.238
قبله أو لا والثاني باطل لأن أثر التسخين إلى الأبعد بعد وصوله إلى الأقرب ضرورة لكونه أولى بالقبول لقربه إلى الفاعل والأول يوجب المطلوب لأن المتوسط لو لم يكن ملاقيا للتسخن كان بينهما متوسط آخر وينقل الكلام إليه وهكذا حتى ينتهي إلى المتوسط الذي يكون ملاقيا دفعا للتسلسل وعدم تناهي الأبعاد وإذا حصل المتوسط الملاقي حصل أثر التسخين أولا إلى الجسم الملاقي ثم إلى ملاقي الملاقي بتوسط الملاقي فثبت أن كل تأثير طبيعي لا يكون إلا بالتماس والتلاقي هذا تقرير ما ذكره الشيخ في الطبيعيات واعترض عليه الإمام الرازي بأن هذا يناقض ما ذكره في الفصل السابع من المقالة الثالثة من علم النفس حيث قال في جواب من أنكر تأدى شبح المبصرات في الهواء من غير أن يتكيف الهواء بأنه ليس بينا بنفسه ولا ظاهرا إن كل جسم فاعل يجب أن يكون ملاقيا للمحسوس فإن هذا وإن كان موجودا استقراء في أكثر الأجسام فليس واجبا ضرورة بل يجوز أن يكون انفعال أشياء من غير ملاقاة فيكون أجسام يفعل بالملاقاة وأجسام يفعل لا بالملاقاة وليس يمكن أن يقيم أحد برهانا على استحالة هذا إنما يبقى ضرب من التعجب فإذا كان هذا غير مستحيل في أول العقل وكانت صحة مذهبنا المبرهن عليه يوجبه وكأن لا برهان البتة بنقيضه فنقول من شأن الجسم المضيء بذاته والمستنير الملون أن يفعل في الجسم الذي يقابله إذا كان قابلا للشبح قبول البصر وبينهما لا لون له تأثيرا هو صورة مثل صورته من غير أن يفعل في المتوسط شيئا إذ هو غير قابل لأنه شفاف قال الإمام هذا ما ذكره في هذا الموضع وقد ذكر هذا المعنى في الفصل المشتمل على المقدمات التي يحتاج إليها في معرفة الهالة وقوس قزح ولا يخفى أن ذلك مبالغة في بيان أن الفعل والانفعال لا يحتاجان باللقاء والتماس مع أنه تصدى في الفصل حقيقة المزاج لإقامة البرهان على أن الفعل والانفعال لا يتمان إلا باللقاء وأنه تكثر تعجبي بوقوع أمثال هذه المناقضات الظاهر لهذا الشيخ قال ومن الإشكالات أن الشمس تسخن الأرض مع أنها لا تسخن الأجسام القريبة كالأفلاك وكذا تضيء الأرض ولا تضيء الأجسام المتوسطة بينها وبين الأرض لأنها شفافة فإذا كان كذلك فكيف يجوز للرجل الزكي مع هذه الإشكالات أن يجزم بأن الفعل والانفعال لا يتمان إلا باللقاء والتماس انتهى أقول إن هذا المرء المعروف بالفضل والذكاء سريع المبادرة إلى الاعتراض على مثل الشيخ قبل الإمعان والتفتيش لعجلة طبعه وطيشه أما نسبة التناقض في الكلام فليس كما زعمه فإن الذي منع وجوب الملاقاة فيه هو مطلق التأثير والتأثير بين الجسمين والذي أوجب فيه ذلك هو التأثير والتأثر المخصوص ولا تناقض بين وجوب حكم على نوع مخصوص من الفعل وعدم وجوبه على نوع آخر وذلك لأن نوع الفعل والانفعال مختلف في الموضعين الذي أحدهما مثل التسخين والتسخن والتبريد والتبرد ونحوهما والثاني مثل الإنارة والاستنارة والإظلال والاستظلال وشبههما فإن الفعل وكذا الانفعال فيما هو من قبيل الأول تدريجي وفيما هو من قبيل الثاني دفعي فالذي أوجب الشيخ فيه الملاقاة هو الأفاعيل والانفعالات التدريجية التي لا ينفك عن الحركة والاستحالة فلا بد فيها من مباشرة الفاعل المحرك للقابل المتحرك ومن هذا القبيل فعل العناصر بعضها في بعض والذي لم يوجب فيه الملاقاة ما ليس كذلك كالفعل الدفعي والقبول والتحقيق في هذا المقام أن الموجودات بعضها طبيعي مادي وبعضها تعليمي صوري وبعضها إلهي عقلي فالفعل الطبيعي لا يصدر إلا عن فاعل زماني الوجود يفعل بالاستحالة في مادة منفعلة مستحيلة الوجود وأما الفعل الهندسي فلا مدخل فيه للحركة والانفعال بل مجرد الكمية والوضع اللازم وإن لم ينفك الفاعل والقابل عن زمان وحركة وأما الفعل العقلي فلا حاجة فيه إلى زمان وحركة ولا وضع ومقدار إنما المحتاج إليه فيه نفس الفاعل وماهية القابل لا غير منان الأول كالتحريكات والإحالات مثل التسخين والتبريد والترطيب والتسويد والتبييض والإنماء والتغذية والتوليد ونحوها ومثال الثاني كالإنارة والإضاءة ووقوع العكوس والأشباح والمحاذيات وحدوث التشكيلات كالتربيع والتثليث والتكعيب وغيرها ومثال الفعل الإلهي كمطلق الإيجاد والإبداع والإفاضة والإعلام والهداية والجود والفصل والرحمة وغيرها إذا تقرر هذا فنقول إن كل فعل طبيعي يصدر عن فاعله القريب سواء فعل في مادة وجوده أو غيرها لا بد أن يكون بالمباشرة والملاقاة وذلك لأن الفاعل الطبيعي منغمر في المادة كل الانغمار ومستغرق كل الاستغراق ثم إن الوجود لما كان مقوم الإيجاد متقوم بالوجود فكل ما يحتاج في وجوده إلى شيء يحتاج في الإيجاد إلى ذلك الشيء على النحو الذي يحتاج إليه فالفاعل إذا كان وجوده مفتقرا إلى المادة كل الافتقار حتى يكون في كل جزء منها فكان في إيجاده وفاعليته محتاجا إلى تلك المادة كالصور العنصرية وكمالاتها الثانوية من الكيفيات المحسوسة فما لم يكن المادة المنفعلة منها يلاقيه