Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 239

Contributors:

P.239
لها حتى يصير كأن مادة الفاعل ومادة المنفعل شيء واحد لا يفعل ذلك الفاعل فعله فيها فلو سخنت الحرارة الفاشية في جسمية النار مثلا جسمية أخرى من غير لقاء ومن غير أن يصيرا كأنهما جسمية واحدة يلزم أن لا يكون تلك الحرارة مفتقرة إلى لقاء محلها والنشو والسريان فيه واللازم باطل فالملزوم مثله لما علمت من أن الإيجاد فرع الوجود والوجود يفتقر إلى محل يسري فيه بتمامه فلذلك يفتقر إلى محل يسري فيه فاعليته كسريان وجوده فيه فثبت أن هذه الأفاعيل الطبيعية لا يمكن إلا بلقاء الفاعل للمنفعل وهو المطلوب وأما قول المعترض الشمس تسخن وجه الأرض من غير ملاقاة وقول آخر إنها تجفف الأرض المبتلة كالطين وأيضا إنها تبيض القصار وتسود وجهه من غير ملاقاة فنقول أما أولا فإن فعل الشمس أولا وبالذات ليس إلا واحدا متشابها هو الإضاءة والإنارة وهو أمر يحدث دفعة في هذه الأجسام القابلة ففعله بالذات هو من قبيل الأفاعيل التي هي من القسم الثاني وإذا فعلت الشمس فعلها قبلته الأجسام القابلة المنفعلة بواسطة طبائعها التي فيها دفعة ثم إذا قبلت النور دفعة وبقي الضوء فيها زمانا يعتد به فعلت طبائعها بواسطة إعداد النور تسخينا في تلك الأجسام المنفعلة وكذا يفعل السخونة في الجسم الكثيف سوادا بعد تجفيفه وتحليل الأجزاء المائية وتبعية الأجزاء الأرضية وفي الجسم اللطيف بياضا بعد تصفيه وتصقيله الكثرة المائية والهوائية فيه وأما ثانيا فإن مقتضى ما ذكرنا أن الجسم الحار كالنار لا يؤثر بالسخونة في شيء إلا بالملاقات لا أن قابل الحرارة لا يقبل الحرارة إلا بملاقاة الفاعل إياه لأن ذلك كلام آخر غيره لازم من القضية المذكورة وليس مما يستحيل إذ لا استحالة في أن يتأثر جسم من فاعل غير مباشر لا بتوسط جسم آخر ملاق له

البحث الثاني

أن الشيخ ذكر في بعض رسائله أن كل فاعل يفعل في منفعله فإنما يفعل بتوسط مثال واقع منه في المنفعل وكذا كل منفعل ينفعل إذا انفعل بتوسط مثال من الفاعل فيه ومثل لذلك بأمثلة جزئية فقال إن النفس الناطقة إنما يفعل في نفس ناطقة أخرى بأن تضع فيها مثالها وهو شكلها والمس إنما يحدد السكين بأن يضع في جوانب حده مثل نفسه فيما ماسه وهو استواء الأجزاء وملاستها قال ولقائل أن يقول إن الشمس تسخن وتسود من غير أن يكون السخونة والسواد مثالا لها لكنا نجيب عن ذلك بأنا نقول إنا لم نقل بأن كل أثر حصل في متأثر من مؤثر إن ذلك الأثر حاصل في المؤثر وأنه مثال في المتأثر لكنا نقول إن تأثير المؤثر القريب المباشر يكون بتوسط مثال ما يقع فيه منه وكذلك الحال في الشمس فإنها تفعل في منفعلها القريب بوضع مثالها فيه وهو الضوء ويحدث من حصول الضوء فيه السخونة فيسخن بحصول السخونة ويسود وهكذا من جهة البرهان الكلي فليس هذا موضعه انتهى كلامه والحق أن الفاعل إذا كان فاعلا حقيقيا يفعل بذاته لا الذي سماه الطبيعيون من الأسباب المعدة فذلك الفاعل لا بد أن يفعل بأن يضع مثاله فيما ينفعل عنه وأما القسم الآخر فليس من شرطه أن يكون فعله مثال نفسه ثم لا بد أن يعلم أيضا أن تأثير الفاعل الحقيقي لا يكون إلا في الوجود بأن يكون أثر الصادر منه وجودا آخر إذا كان لا بد من تفاوت في الوجودين وهو أن يكون وجود الفاعل أقوى وأكمل ووجود المفعول أضعف وأنقص فإذا كانا كذلك وقد علمت أن الماهية تابعة للوجود فاختلافه بالذات يوجب اختلاف الماهية فماهية الفاعل بخلاف يخالف ماهية الفعل هذه من الجهة مع اتحادهما في طبيعة الوجود وتقاربهما في الدرجة الوجودية فاعلم

البحث الثالث

أن القوم حكموا بأن أفعال القوى الجسمانية وانفعالاتها إنما يكون بمشاركة الوضع واحتجوا عليه بأن الإيجاد متقوم بالوجود فالافتقار إلى المادة في الوجود وهي لا ينفك عن الوضع يستلزم الافتقار إليها بوضعها وفرعوا على هذه القاعدة بأن جسم لا يمكن أن يوجد جسما آخر ولا جسماني يمكن أن يوجد ما لا وضع له بالقياس إليه استشكل بعضهم هذا بأن الأمر الروحاني تؤثر في الأجسام فينفعل الأجسام عنه من غير توسط وضع بينهما وكذا البدن يؤثر في النفس وليست بينهما نسبة وضعية وهذا الإشكال مما أورده بهمنيار في أسئلته عن الشيخ عليه وأجاب عن الأول بما حاصله أن الأشياء البرية عن المادة تؤثر في نفس الأجسام وصورها لا بأن يجعلهما متوسطا في الفعل أو يفعل بوساطتها بخلاف القوة الجسمانية فإنها لا تفعل إلا بأن يكون المادة متوسطة مخصصة لها بفعل مخصوص وعن الثاني بأن النفس ليست من الأمور التي لا علاقة لها مع المادة ولم يبرهن أن ما لا وضع له لا يؤثر فيه ما له وضع بل على أن ما لا وضع له ولا علاقة أيضا له مع ذي وضع لا يؤثر فيه ذو وضع والنفس وإن لم يكن ذات وضع لكن لها علاقة مع البدن وهو ذو وضع أقول النفس الناطقة الإنسانية عند الشيخ وأصحابه جوهر مفارق الذات والوجود عن الأجسام ولا تعلق لها إليها إلا تعلق التدبير والتصرف ومثل هذا التعلق لا يكفي في أن يؤثر فيها ذو وضع فإن المؤثر فيه وإن لم يكن ذا وضع بالذات فلا بد أن يكون ذا وضع بالعرض والنفس لا وضع لها لا بالذات ولا بالعرض إذ الضرورة قاضية بأن الذي لا تعلق له بشيء تعلقا انضماميا لم يصر متصفا