اتحاد أشياء ليس كل منها مستغنيا عن الآخر بل بعضها لا يقوم بالفعل إلا بما انضم إليه وحصل فيه وبعضها متقوم بنفسه بالفعل غير مفتقر إلى ذلك البعض المنضم الحاصل فيه كاتحاد الموضوع والعرض مثل الجسم والبياض فقال لهذا الجسم الأبيض والحمل هاهنا حمل بالعرض لأن جهة الاتحاد أمر طار على ذات الموضوع الذي هو الجسم إذ ليست ذاته منشأ صدق الأبيض عليه وإنما له القبول والانفعال فهذه الأقسام الثلاثة جهة الاتحاد والوحدة فيها ضعيفة لأنها بعد تمام ماهيتها ووجودها وليس لهذه المتحدات وجود واحد ولا يحمل بعضها على بعض ولا مجموعها محمول على واحد من أجزائها حمل هو هو وأضعف منها في الاتحاد أمور لا يكون جهة الوحدة فيها أمرا حقيقيا بل اعتباريا لا صورة ولا عرضا قارا كالبلدة الواحدة والعسكر الواحد وهذه الأصناف كلها خارجة عن القسم من الاتحاد الذي هو أحق الأشياء به وهو الذي بصدد بيانه الشيخ قوله ومنها اتحاد شيء بشيء قوة هذه الشيء منهما إلى آخره يريد بيان اتحاد الجنس بفصله المقسم بأن المعنى الذي هو الجنس لكونه أمرا مبهما مرددا بين الأشياء من شأنه أن يكون نفسه أشياء كثيرة لا بمعنى أن مفهومه من حيث المفهوم عين مفهومات تلك الأشياء إذ الاتحاد بين مفهوم ومفهوم حملا متعارفا والحمل الأولي أيضا لا بد فيه من المغايرة بين الموضوع والمحمول إما بالإجمال والتفصيل أو بوجه من الاعتبار بل المراد أن معنى واحدا من شأنه أن يصير عين معاني مختلفة في أنحاء الوجودات كل منها في الوجود يكون هذا الشيء لا أن ينضم وجوداتها بوجود هذا الشيء بل بأن الذهن قد يعقل معنى كالحيوان مثلا بلا شرط آخر يجوز الذهن أن يكون الحيوان بنفسه إنسانا وفرسا وحمارا في الوجود أو ناطقا وصاهلا وناهقا في الأعيان فإذا انضم إلى معنى الحيوان معنى الناطق مثلا إنما ينضم إليه بأنه معنى آخر في المفهوم لكنه يكون منضما مندمجا في وجوده هذا النحو من الوجود معين له فإن وجود الناطق الذي هو الصورة الإنسانية هو بعينه وجود الحيوان بما هو حيوان مطلقا وإنما يكون وجوده غير وجود الحيوان من حيث التعين والإبهام والقوة والفعل والكمال والنقص لا أن هذا غير ذلك في الوجود بأن يكون الحيوانية وجود وللناطقية وجود آخر وقد اجتمعا وصارا وجود الإنسان بالانضمام والتركيب وكذا الحال في الفصل قوله مثل المقدار فإنه معنى يصح أن يكون هو الخط والسطح والعمق لا أن يقارنه إلى آخره أراد بالعمق الجسم التعليمي وهو أحد أنواع المقدار وهذا المثال أوضح مثال في هذا الباب لا يمكن لأحد مجال البحث في كون المقدار ذاتيا مشتركا بين الثلاثة ولا في أن الاختلاف هاهنا بالذات لا بأمر خارج لوضوح أن حقيقة الخط غير حقيقة السطح وحقيقتهما غير حقيقة الجسم ولا في أن الذاتي المشترك وجوده بعينه وجود كل واحد منها ولا في أن كلا منها له معنى خاص زائد على القدر المشترك فإذن يتضح بهذا المقال غاية الإيضاح أنه يجوز أن يكون شيء واحد بعينه أشياء كثيرة متباينة في الحقيقة النوعية إذ المقدار معنى واحدا من الكم المتصل القار يجوز أن يكون بعينه خطا أو سطحا أو جسما لا بأن يقارنه أمر متميز فيصير المجموع خطا أو سطحا أو غيرهما إذ لا تركيب في شيء من هذه الأنواع بل الكم المتصل القار شيء قابل للقسمة لا يكون في الوجود مجرد هذا المعنى فقط وإلا لم يكن جنسا ولا محمولا على الخط ولقسيميه بل يجب أن يكون وجوده وجود أحد هذه الثلاثة بعد أن يحتمل في نفس معناه أن يكون شيئا منها لا بالخصوص والقابل للأقسام محتمل في ذاته أن يكون اتصاله وقبول انقسامه في بعد واحد فقط ليكون خطا محمولا عليه أو في بعدين ليكون في الوجود سطحا محمولا عليه أو في ثلاثة أبعاد ليكون جسما محمولا عليه فالمقدار لا يكون في الوجود إلا أحد هذه الثلاثة التي يحمل على كل منها أنه المقدار ويحمل على المقدار في كل منها أنه ذلك الشيء فالمقدار الخطي يحمل عليه أن هذا الخط بعينه مقدار وأن هذا المقدار بعينه خط من غير مغايرة أصلا لا في العين ولا في الخيال لكن العقل يتصور مفهوما كليا مشتركا بين الثلاثة هو الكم القابل للقسمة ويفرض له وجودا ثم إذا أضاف إلى القابل للقسمة زيادة على
أنه في جهة أو في جهتين أو في ثلاثة جهات لم يضفه على أنه معنى خارج عن وجود المعنى المشترك لاحق به بعد تحصله بالفعل في حد نفسه بل القابل للمساواة والقسمة أنها يحصل وجوده بنفسه بأن يكون وجوده في بعدين أو أكثر فكونه قابلا للمساواة بعينه كونه قابلا لها في بعد وبالعكس وكون هذا المقدار مقدارا هو بعينه كونه خطا وبالعكس وهكذا في السطح والجسم واعلم أن من كان الوجود عنده أمرا عينيا والجنس والفصل وغيرهما معان ومفهومات كلية سهل عليه الحكم بكون المفهومات المختلفة بحسب المعنى موجودة بوجود واحد مصداق لحملها مطابق لصدقها قوله ولا يكون هذا في الأشياء التي مضت وهاهنا وإن كانت كثرة ما إلى آخره يعني في الأشياء التي ذكرناها فيما مضى من الطبائع المركبة من الأجناس والفصول هذا النحو من الاتحاد بين أجناسها وفصولها كالحيوان مثلا فإنه جنسه وفصله موجودان
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 212
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص٢١٢