حاصلين للمعنى الجنسي كالحيوان مثلا فإنه جنس محمول على ما تحته من الأنواع باعتبار ومادة لها باعتبار آخر قوله الذي يلزمنا الآن هو أن نعرف طبيعة الجنس والنوع إلى آخره كل من لفظي الجنس والنوع كان دالا بحسب اللغة على معنى آخر أو معان أخرى ثم نقل في صناعة الحكمة إلى معنى منطقي وإلى موضوع ذلك المعنى فالجنس كان مستعملا أولا في كل ما يشترك بالنسبة إليه الكثيرون فكان يقال لعلي عليه السلام إنه جنس العلويين لانتسابهم إليه ولمصر إنه جنس للمصريين والنوع كان معناه صورة الشيء فنقل الجنس في عرف هذه الصناعة إلى الكلي المقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة في جواب ما هو ونقل النوع إلى الكلي المقول على كثيرين متفقين بالحقيقة في جواب ما هو وإلى معنى آخر وهو الكلي المقول عليه وعلى غيره الجنس في جواب ما هو ويقال له النوع الإضافي وللأول النوع الحقيقي والإضافي أعم من الحقيقي من وجه لمكان النوع الحقيقي البسيط وقد يستعمل الجنس مكان النوع أيضا وأما استعمال كل من الجنس والنوع في معناه المنطقي والطبيعي فهل يحتاج إلى تعدد وضع أو نقل فظني أنه ليس كذلك لأن كل مفهوم كلي فقد يراد به نفس المفهوم وقد يراد به ما صدق عليه وموضوعه فإن الواحد قد يراد به نفس الواحد وقد يراد به شيء هو الواحد وكذا الأبيض فكذلك الكلي والجنس والنوع وغيرها فالقاعدة مطردة في الجميع إلا أن هذه المفهومات يختص في أفرادها وموضوعاتها أيضا مفهومات كلية ومعقولات فهي معقولات ثانوية وهذه الموضوعات معقولات أولى فهذه الألفاظ إذا استعملها المنطقيون كان المراد نفس مفهوماتها لأنهم لا يبحثون إلا عن المعقولات الثانية وإذا استعملها الإلهيون وغيرهم من الفلاسفة كان المراد الطبائع العامية كما أن الواحد والكثير والعلة والمعلول والقوة والفعل وما يجري مجراها إذا استعملت في العلم الكلي كان المراد مفهوماتها وإذا استعملت في غيره يراد بها أفرادها المخصوصة لصدقها عليها فموضوع له اللفظ بالذات إنما هو المفهوم وإنما يستعمل في الأفراد لاشتمالها عليه وصدقه عليها ولذلك قال وغرضنا الآن فيما يستعمله المنطقيون أي فيما يصدق عليه ما استعملوه من حيث هو كذلك قوله فنقول إن المعنى الذي يدل عليه بلفظ الجنس إلى آخره اعلم أن المدلول عليه بلفظ الجنس أو النوع أو الفصل أو الخاصة أو العرض أعني كل واحد من الكليات الخمسة الطبيعية المحمولة على أفرادها ليس مدلولا عليه بذلك اللفظ إلا ببعض الاعتبارات لا بجميعها فإنها باعتبار آخر مادة وموضوع وصورة وعرض غير محمول فالمعنى الجنسي بأحد الاعتبارين جنس لنوعه محمول عليه وبالاعتبار الآخر جزء مادي له ومادة لفصله والفصل بأحد الاعتبارين فصل محمول على أفراد النوع المتقوم به وبالاعتبار الآخر صورة لمادة النوع التي هي باعتبار آخر جنس له وجزء وعلة صورية للنوع والنوع بأحد الاعتبارين نوع محمول على أشخاصه وبالاعتبار الآخر جزء مادي لأشخاصه ومادة وموضوع لتشخصاته وكذا العرض الخاص والعام كل منهما عرضي محمول على أفرادها حملا بالعرض بأحد الاعتبارين وبالاعتبار الآخر عرض غير محمول على تلك الأفراد وهي موضوعات له بذلك الاعتبار لا الأفراد فذكر الشيخ البيان مخصوصا بالجنس ليقاس عليه بواقي الكليات المشهورة وفي المثال الذي كثر الإشكال فيه على المتوسطين في النظر فضلا عن المناقصين فيه وذلك لأن كثيرا ما يقع الاستدلال في العلم الطبيعي على إثبات الشكل الطبيعي والحيز الطبيعي والحركة الطبيعية وغيرها من الأمور الطبيعية بأن الجسمية طبيعة نوعية مشتركة في الأجسام فلو اقتضت شيئا منها لكان ثابتا في الأجسام كلها وليس كذلك فهي لطبيعة أخرى مخصوصة ثم يقال تارة أخرى إن الجسمية جنس للأجسام كلها بسيطة كانت أو مركبة فيقع الإشكال فنقول إن الجسم جنس باعتبار لما تحته من الأنواع المترتبة والمتكافئة التي منها الإنسان فهو جنس الإنسان مثلا لكنه ليس جنسا له بل مادة إذا اعتبر بوجه آخر من الاعتبار فيكون معنى الجسمية جنسا ومادة للإنسان باعتبارين مختلفين وأنت تعلم أن الجنس محمول على النوع ومتحد في الوجود معه والمادة جزء من وجوده ويستحيل حمله عليه فلا بد هاهنا من فرق والفرق بين الجسم وقد اعتبر جنسا وبينه وقد اعتبر مادة أنه إذا أخذ الجسم جوهرا ذا طول وعرض وعمق بشرط أنه ليس يدخل
فيه معنى غير هذا المعنى من اغتذاء أو حس أو نطق أو مقابل تلك المعاني فهو مادة وإن أخذ لا بشرط شيء آخر ولا بشرط عدمه بل يجوز أن يكون له مع هذا المعنى أي معنى الجوهر الطويل العريض العميق حس أو تغذ أو لا يكون وكذا غير هذه المعاني ولو كان ألف معنى بشرط أن يكون الجميع موجودا بوجوده فهو جنس فلهذا يصح أن يحمل هذا المعنى الثاني على المركب منه ومن غيره كما على الجزء المجرد عن غيره أيضا خارجا أو عقلا ولا يصح أن يحمل بالمعنى الأول إلا على الجزء الذي هو المادة سواء كانت مركبة في الخارج من جوهرية وصورة
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 193
مساهمون: صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
ص١٩٣