تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
والعموم هل هي موجودة في الأعيان أو لا وما نحو وجودها وكيف يوجد والموجود لا بد أن يكون أمرا متعينا شخصيا وكيف يوجد أمر واحد مع المتقابلات والأضداد في أمكنة وأحياز مختلفة ووجه مناسبة هذا المبحث الذي في الفصل السابق أن الكلي والجزئي يناسب القوة والفعل فإن الكلي موجود بالقوة فإنه ما لم يصر جزئيا بانضمام التشخص إليه لم يصر موجودا بالفعل وكذا الجنس نوع بالقوة ما لم ينضم إليه أحد الفصول لم يصر نوعا بالفعل كالحيوان بما هو حيوان فإنه إنسان بالقوة وعند انضمام الفصل الناطق إليه يصير إنسانا بالفعل وبانضمام التشخص إليه يصير شخصا موجودا بالفعل كزيد وأما كون هذه الماهيات الكلية من الأعراض الذاتية الخاصة بالوجود فذلك لأن الموجود بما هو موجود صالح لأن يكون إنسانا بما هو إنسان كلي أو فرسا كذلك أو ملكا أو نفسا بما هي هي أو بما هي كليات من غير أن يصير أمرا خاصا طبيعيا أو تعليميا ولا الأعم من الوجود المطلق صالح لشيء منها إلا بعد أن يصير موجودا مطلقا فهي من الأعراض الأولية الخاصة بالوجود هذا ولا ينافي كونها معروضة للوجودات الخاصة الشخصية ولا أيضا ينافي عدم كون الموجود بما هو إنسانا معينا أو فرسا شخصيا أو مقدارا مخصوصا إلا بعد أن يصير طبيعيا واقعا في المادة والتغير أو تعليميا واقعا في التقدر والكمية

[ في بيان أن الكلي يطلق على ثلاثة معان ]

قوله فنقول إن الكلي قد يقال على وجوه ثلاثة إلى آخره قد ذكر للكلي معاني ثلاثة أحدها المعنى الذي له أفراد بالفعل يحمل على كل واحد منها كالإنسان والكرة والسواد والثاني المعنى الذي أمكن أن يكون له أفراد كثيرة يحمل عليها وإن لم يكن شيء منها موجودا كمعنى البيت الذي صنع من الذهب فجاز أن يوجد له كثير من الأفراد وإن لم يوجد شيء منها من غير مانع عقلي والثالث المعنى الذي لا مانع في نفس تصوره من أن يقال على كثيرين ولكن لوقوعه متعددا مانع عقلي وسبب خارج عن نفس ماهيته ومعناه تدل عليه دليل كالشمس والقمر وكلية الأرض الواقعة في وسط الكل والأولى أن يجعل هذه المعاني الثلاثة من أقسام معنى مشترك جامع لها صادق عليها ليكون الكلي مشتركا معنويا لا مشتركا لفظيا وذلك أنسب بهذا الفن فإن البحث عن معاني الألفاظ وإطلاقات أهل اللسان ليس من دأب الحكيم فإن مناط كون الشيء كليا وملاك الأمر فيه هو كونه مفهوما وماهية كما أن مناط كونه جزئيا حقيقيا وشخصيا هو كونه وجودا وإنية أو ذا وجود وإنية من حيث هو كذلك فكل معنى وماهية غير الوجود نفس تصوره لا يأبى العموم والاشتراك بين كثيرين سواء كانت ممتنعة أو ممكنة موجودة أو معدومة أو بعضها ممتنعة وبعضها ممكنة والممكن منها واحد أو كثير والواحد الممكن موجود أم لا والكثير الممكن إما متناه أو غير متناه فهذه الأقسام كلها خارجة عن نفس ما هو المعنى الكلي وهي أزيد من الثلاثة المذكورة وقوله وقد يمكن أن يجمع هذا كله في أن هذا الكلي إلى آخره مراده أن المعنى الأخير يصلح أن يكون جامعا بين المعاني فإنه من جهة أن نفس تصوره غير مانع من القول على كثيرين يتحقق في سائر المعاني وإن كان من جهة انحصاره في واحد بسبب المانع الخارجي يكون مغايرا للبواقي وإنما وجب أن يكون المستعمل في المنطق وما أشبهه من العلوم الحقيقية سيما الفلسفة الأولى هو هذا المعنى لعمومه وشموله للأقسام الباقية إذ العلوم الكلية كالمنطق وغيره يبحث عن أحوال الكلي وأقسامها الخمسة الجنس والفصل والنوع والخاصة والعرض العام وأقسام كل منها كالأجناس البعيدة والمتوسطة والقريبة والفصول البعيدة والقريبة والمتوسطة والأنواع الحقيقية والإضافية وغير ذلك وهذه المباحث لا يجري في الكلي الذي لا يوجد من حيث إنه لا يوجد ولا الذي انحصر في واحد من حيث هو كذلك فيجب أخذه على الوجه الأعم لكن المنطقي إنما يبحث عن هذه الأشياء بحسب معانيها المنطقية التي من ثواني المعقولات وصاحب هذا العلم يبحث عن معانيها الطبيعية المعروضة لتلك المعاني التي هي في الدرجة الثانية في المعقولية فكما أن الفرق حاصل بين مفهوم الكلي المنطقي وبين مفهوم الكلي الطبيعي كالحيوان والإنسان فكذا الفرق حاصل بين الجنس المنطقي وهو مفهوم الجنس وبين الجنس الطبيعي كالحيوان وكذا القياس في النوع والفصل والعرض وجميع ما يبحث عنه في المنطق وفي هذا العلم حتى الجزئي الحقيقي على ما قال قوله وأما الجزئي المفرد فهو الذي إلى آخره المراد من الجزئي المفرد هو الجزئي الحقيقي وهو لا يكون إلا مفردا بخلاف الجزئي الإضافي وهو الأخص من شيء فإنه قد يكون كليا متكثرا الأفراد بالفعل أو بالقوة فالجزئي الحقيقي هو الذي نفس تصوره يمنع قوله على كثيرين سواء أمكن تصوره كذات زيد مشار إليه وكهذا السواد مثلا أو لم يمكن كذات الباري جل ذكره والذي أمكن تصوره سواء كان بحسب الحس فقط كزيد المشار إليه وهذا الشمس أو بحسب العقل فقط كهوية العقل العاشر مثلا فإن صورة زيد المشار إليه لا يمكن حصولها في العقل ولا صورة العقل العينية يمكن حصولها في الحس لكن الجميع بحيث إذا تصوره متصور لا يمكن له فرض صدقه على كثيرين لامتناع نفس تصوره المطابق لهويته الشخصية عن ذلك واعلم أن منشأ هذا الامتناع كما أشرنا إليه آنفا هو كون الشيء وجودا خاصا أو ذا وجود خاص فإنه الهوية الشخصية لا غير وكل ما هو غير نحو من أنحاء الوجود فهو معنى كلي ولو تخصص بألف تخصيص قوله فالكلي من حيث هو كلي