تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
أن الماهية قد تكون مركبة وقد تكون بسيطة والمركبة هي التي إنما يلتئم حقيقتها من اجتماع عدة أمور والبسيطة ما لا يكون كذلك ولا بد من الاعتراف بثبوتها وتحققها وإلا لتركب كل من أجزاء لا نهاية لها بالفعل ومع ذلك فلا بد لها من البسيط لأن كل كثرة سواء كانت متناهية أو غير متناهية فإن الواحد فيها موجود فإن كان بسيطا فذاك وإن كان مركبا فلم يكن الكثرة مشتملا على الواحد والإيراد عليه بأن الكثرة لا بد فيها من واحد من جنس الوحدات التي تألفت هي منها لا الواحد الحقيقي ككثرة الأعضاء في الحيوان لا بد لها من عضو واحد ويجوز أن يكون كل عضو مركبا من عدة أشياء غير أعضاء فلا بد فيها من واحد من نوع تلك الأشياء التي هي غير الأعضاء والأجزاء الأولية ويجوز أيضا أن يكون كل واحد منها مركبا من أشياء أخر وهكذا بالغا ما بلغ غير منته إلى واحد هو بسيط حقيقي مندفع بأن بطلانه أوضح لأن الأجزاء الغير المتناهية إذا كانت متداخلة كانت مترتبة ترتبا فيجري فيها براهين إبطال التسلسل من التطبيق والتضايف والحيثيات وذي الوسط والطرفين وغيرها فظهر أن البسيط موجود سواء كان جزء الشيء أو لا مثاله ذات الباري وماهيات الأجناس العالية وطبائع الفصول البسيطة كما سيأتي تفصيلها الثالث أن البسائط هل هي مجعولة أم لا المشهور بين الجمهور من توابع المشائين أنها غير مجعولة بل المجعول صيرورتها موجودا أو شيئا آخر واستدلوا عليه بأن السواد لو تعلقت سواديته بغيره لم يكن السواد سوادا عند فرض عدم ذلك الغير وهو محال لأن السواد في حد نفسه سواد سواء فرض معه غيره أو لم يفرض والإيراد عليه في المشهور بوجهين الأول بطريق النقض وهو أن السواد كما أن له حقيقة فكذلك الوجود وكل ما فرض أنه المجعول والأثر فإن امتنع أن يكون السواد في كونه سوادا مجعولا امتنع أن يكون الوجود في كونه وجودا مجعولا فيلزم أن لا يكون حقيقة السواد مجعولا ولا وجوده مجعولا فلا يكون السواد الموجود مجعولا أصلا هف وإن قيل إن المجعول هاهنا اتصاف الماهية كالسواد بالوجود أو انضمام الوجود بها قيل إن هذا أيضا مغالطة لأن ذلك الاتصاف أو الانضمام أو أي ما شئت له حقيقة وهي أيضا غير مجعولة وبالجملة كل ما يفرض مجعولا فله حقيقة سواء كانت بسيطة أو مركبة من البسيط فإن عقل أن يكون بعض البسائط مجعولا فليعقل في سائرها وإلا فلا وربما يجاب عن هذا بوجه دقيق حاصله يرجع إلى الوجه الثاني من الوجهين في دفع أصل الاستدلال وهو أن المجعول بالذات ليس شيء من الماهيات والوجودات بسيطة كانت أو مركبة بل هو حالة ارتباطية بين الماهية والوجود فلا السواد مجعول ولا الوجود مجعول بل المجعول صيرورة السواد موجودا أو اتصافه به لا بأن يجعل نفس الصيرورة بحقيقيته التصورية بل بما هي نسبة وفرق بين كون الشيء شيئا وبين كونه نسبة شيء إلى شيء لأن الملحوظ بالذات في الأول هو نفسه وفي الثاني هو الطرفان والنسبة على أنها نسبة ليست مقصودة ولا ملحوظة بالذات بل بالتبع وهذا كالفرق بين المرآة والمرئي فالمرآة بما هي مرآة آلة النظر والملاحظة وليست حينئذ مرئية ولا ملحوظة بالذات فإذا نظرت إليها والتفت بها صارت حينئذ مرئية وانسلخت عن كونها مرآة وهكذا الفرق أيضا بين التصور والتصديق فإنهما نوعان من الكون الذهني إذ التصديق في قولك زيد كاتب ليس عبارة عن تصور زيد وثبوته ولا عن تصور الكاتب وثبوته الذهني ولا أيضا عبارة عن تصور نسبة الكتابة إلى زيد وثبوتها ولا أيضا عبارة عن التصورات الثلاثة جميعا وحصولها في الذهن لأن جميع هذه الأقسام من باب التصور وليس من التصديق بل التصديق عبارة عن إدراك أن زيدا كاتب وصيرورته كاتبا بأن يكون الطرفان ملحوظة بوجه ارتباط أحدهما بالآخر بأن يكون النسبة متصورة بالعرض أي على وجه هي نسبة متصورة إلى متصور ونسبة المتصور إلى المتصور لا يمكن أن يكون متصورة وإلا انعزلت عن كونها نسبة وذلك كالمعاني الحرفية إذا أسندت أو أسند إليها صارت معنى اسميا وبالجملة فحال المجعول في الخارج عند المشائين كحال المصدق به في الذهن بأن يكون أثر الجاعل هو الهيئة التركيبية على الوجه الذي قررنا هذا غاية ما تقرر به طريقتهم وأنت تعلم أن هذا التصوير وإن كان صحيحا والجعل بهذا المعنى وإن كان واقعا في كثير من الأفعال الصناعية والإدراكات الذهنية في جعل المركبات الخارجية وصيرورة بعضها بعضا بعد تحقق البسائط والكلام في جعل الحقائق ابتداء فالتصديق مثلا وإن لم يكن عبارة عن تصور الأطراف لا البعض ولا المجموع إلا أنه لا بد فيه من تصورات سابقة حتى يمكن هذا الإدراك التصديقي على الوجه المذكور وكذا الصبغ وإن لم يكن عبارة عن جعل الكرباس ولا عن جعل اللون ولكن لا بد من وجودهما حتى يجعل أحدهما الآخر وذهبت أخرى إلى أن الماهيات مجعولة دون الوجودات ودون الحالة التركيبية قالوا ليس أن الجاعل يجعل الماهيات موجودة بل يجعلها فقط بمعنى أن الأثر المترتب على الجاعل نفس الماهية لا صيرورتها موجودة ولا الوجود بناء على أن الوجود ليس أمرا حقيقيا زائدا على نفس صيرورة الماهية وكونها بالمعنى المصدري فلا يصح أن يكون الصادر هو ولا بالاتصاف به لما ذكرنا والذي يقال إن السواد سواد مع قطع النظر عن جعل الجاعل حق ونحن نقول به إذ الذاتي غير معلل لكن كلامنا في أن نفس السواد مجعول ولا منافاة بين كون السواد بنفسه مفتقرا إلى الغير وكونه سوادا أو لونا غير مفتقر إليه وإلى هذا المذهب ذهب الإشراقيون كالشيخ المقتول وأتباعه وكل من أتى بعدهم والمتأخرون
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — صفحة 177 | صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )