كالإدراكات العقلية والوهمية والخيالية بل في بعض أفعالها كالحركات واستخراج الأوضاع من القوة إلى الفعل وهذا غاية درجة الحقيقة المركبة كالأفلاك ونحوها وقد يبلغ الإنسان إلى هذه المرتبة في الشرف والخلوص ثم يتجاوز ويرتفي عنها إلى البساطة والتجرد السادس في الفرق بين التركيب الذهني والخارجي واعلم أن أجزاء الماهية قد يكون متميزة في الخارج ولو بوجه وقد لا يكون وهو كالسواد مثلا فإنه يشارك البياض في اللونية ومخالف له في كونه قابضا للبصر ومعلوم أن جهة الاشتراك غير جهة الاختلاف فإذ السواد مركب في نفسه عن اللونية وقابضية البصر ولو كانت اللونية نفس القابضية لكان كل لون سوادا ولكن هذا التركيب لا يمكن أن يكون خارجيا وبرهانه أنه لو تميزت اللونية المحضة والقابضية المحضة إما أن لا يكون محسوسة أو محسوسة فعلى الأول فعند اجتماعهما إما أن يحدث ماهية محسوسة أو لا فإن لم يحدث لم يكن السواد محسوسا هذا خلف وإن حدثت فتلك الهيئة المحسوسة معلولة لاجتماع اللونية والقابضية وهي خارجة عنهما مغايرة لهما إذ المعلول مغاير للعلة ونحن لا نعني بالسواد إلا نفس تلك الماهية المحسوسة فإذا يلزم أن يكون أجزاء القوام للشيء المحمولة عليه خارجة عنه وذلك محال وأما إذا كان الجزءان أو أحدهما محسوسا فذلك المحسوس إما أن يكون هو السواد أو مخالفا له فإن كان لونا مخصوصا مخالفا له في خصوصيته فيكون نوعا آخر من اللون المطلق ولا يكون هي اللونية المطلقة إذ يلزم أن يكون طبيعة الجنس طبيعة النوع هذا خلف فإن انضم إليه فصل أو حدثت هيئة أخرى لم يكن إحساسنا بالسواد إحساسا بهيئة واحدة بل بهيئتين وذلك محال فثبت أن اللونية غير متميزة عن القابضية في الوجود الخارجي فهما موجودان بوجود واحد بل ذلك التميز إنما يكون في الذهن بالوجه الذي ذكرناه السابع في أصناف التركيبات أجزاء الماهية إما أن يكون متصادقة أو لا والمتصادقة إما أن يكون متداخلة وغيرها وغير المتصادقة إما أن يكون متداخلة أو متباينة والمتداخلة في المتصادقة هي التي بعضها أعم من البعض ويكون الأعم مقوما للأخص كالجسم والحساس والمتداخلة الغير المحمول كمادة المادة للشيء كالهيولى للجسم الذي هو مادة للحيوان لا بالمعنى الذي هو جنس له والمتباينة الغير المحمولة كالمادة والصورة للمركب بما هما مادة وصورة وكالأعضاء للحيوان أو الآحاد للعشرة واعلم أن الجوهر قد يكون مؤلفا من جنس وفصل عقليين لا خارجيين وذلك مثل العقول والنفوس فإنها داخلة تحت جنس الجوهر مخالفة لسائر الجواهر كالجسم والهيولى والصورة وكل ما يدخل مع غيره تحت جنس لا بد وأن يمتاز عنه بفصل فيكون مركبا عقليا مع كونه بسيطا في الخارج وقد يكون مؤلفا من جنس وفصل خارجيين وهو ظاهر كالإنسان مركب من بدن هو مادته مبدأ جنسه القريب أعني الحيوان ونفس هي صورته مبدأ فصله القريب أعني الناطق وأما أن العرض مركب من جنس وفصل عقليين فهو ظاهر كما علمت من حال السواد وأما أن العرض قد يكون من جنس وفصل خارجيين فقد جزم به الجمهور وذلك كالأشكال مثلا المثلث فإنه سطح يحيط به ثلاثة أضلع فالسطح جنس والأضلع الثلاثة فصله بل كونه محاطا بثلاثة أضلع فصله لأنه المحمول عليه لا الأضلع والخطوط وحينئذ يكون مركبا عقليا إذ ليس لكل منهما وجود متميز عن صاحبه وأما أن الجوهر هل يكون من أجزاء لا يكون البعض جنسا والآخر فصلا فالجمهور زعموا أن ذلك ممكن كتركيب الجسم من المادة والصورة والتحقيق أن كلا منهما يمكن أخذه بحيث يحمل على المركب وبذلك الاعتبار يكون المادة جنسا والصورة فصلا كما أن الجنس والفصل من المركب العقلي يمكن أخذ كل منهما بوجه لا يكون بحسبه محمولا عليه فيصير الجنس مادة عقلية والفصل صورة عقلية واعلم أن الجنس والفصل سواء كانا في المركب أو في البسيط كلاهما مجعول بجعل واحد موجود بوجود واحد وصاحب المطارحات زعم أن كلا منهما في المركب مجعول بجعل آخر مستدلا بأن الشجر إذا قطع والحيوان إذا مات يزول عنه فصله وهو النامي أو الحساس ويبقى جنسه وهو الجسم والقول بأن الجسم الذي وجد بعد القطع أو الموت غير الجسم الذي كان قبله مكابرة كالقول بالطفرة وتفكك الرحى وأشباهما والجواب بالفرق
بين الجسم بالمعنى الذي هو جنس وبينه بالمعنى الذي هو مادة فالذي هو المعنى الجنسي لكونه مبهما يتحد مع كل فصل فيجوز تبدله بتبدل الفصل وإنما الباقي هو الجسم بالمعنى الذي هو مادة بل نقول كما أن الجنس بحسب المعنى أمر غير محصل لا يمكن وجوده الخارجي ولا العقلي إلا مع فصل ما فكذا المادة أمر ناقص الوجود مبهم الذات لا يتم وجودها إلا بأحد الصور المقومة لوجودها ومعنى بقاءها مع توارد الصور عليها أنها لضعف وجودها يكفيها لحوق صورة ما أية صورة كانت لا أنها في حد ذاتها أمر واحد بالفعل باق بالعدد كسائر الأمور الصورية فالحق أن جهة الوحدة في كل مركب خارجي هي الصورة وهي تمام المادة وتمام الشيء متضمن له وما فوقه فالشيء شيء بصورته لا بمادته فلو أمكن وجود الصورة مجردة لكان ذلك الشيء حاصلا بتمام ما اعتبر في حقيقته على وجه أعلى وأشرف وهذا معنى التركيب الاتحادي في المركبات التي لها وحدة طبيعية كما ذهب إليه بعض المدققين وفي هذا المقام مباحث شريفة ولطائف أنيقة ذكرناها في الأسفار والله مفيض الأنوار وملهم الأسرار
[ الفصل الأول : في بيان الأمور العامة وكيفية وجودها ]
قوله فصل في الأمور العامة وكيف وجودها إلى آخره الموجودات إما وجودات وإما ماهيات وهي الأمور التي يعرضها الكلية والعموم عند حصولها في الذهن ولا يمكن حصولها منفكة عن الوجود لا ذهنا ولا عينا خلافا للقائلين بشيئية المعدومات من المعتزلة ومن يحذو حذوهم والغرض في هذا الفصل بيان معاني الكلي والعام وكيفية وجودها يعني أن الماهيات التي يعرض لها الكلية