Skip to main content

الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين ) — Page 161

Contributors:

P.161
لفعله سواء كانت غير ذاته أو زائدا عليه بل هو أحرى وأليق بأن يسمى قادرا مختارا من الذي يختار لا لذاته بل لداع خارجي كما هو مذهب بعض المتكلمين أولا لداع أيضا بل على وجه الجزاف كما رآه آخرون أعني الأشاعرة وذلك لأن اختياره وجود الفعل ممن لم يتغير اختياره فيه على وجه يطرد العدم بالكلية لا في وقت خاص بعد وقت ثم تبين أن القوى التي هي مباد الحركات والأفعال منها ما هي تامة الفعل ومنها ما هي غيرها فالقوى الفعلية إذا كانت مقرونة بالتخيل كما في الحيوان أو بالنطق كما في الإنسان كانت غير تامة القدرة فيحتاج إلى انضمام داع أو صارف خارجين حتى يتم في فعليتها ولهذا يتعلق بكلا الطرفين فيصدر عن قوة واحدة الحركة والسكون ويدرك بقوة واحدة الإنسان اللاإنسان ويتوهم بوهم واحد اللذة والألم ويقع من مبدأ واحد الشهوة والغضب وكذلك القوى التي هي مبادي الانفعالات قد يكون تامة وقد يكون ناقصة وقد يكون قريبة وقد يكون بعيدة وكلما كان أنقص وأبعد كان المقوي بها عليه أكثر وأبعد القوى الانفعالة هي الهيولى الأولى ولذلك يقوي على الأشياء لا نهاية لها كما أن الباري تعالى يفعل أشياء غير متناهية ثم يذكر أن من القوى الفعلية والانفعالية ما يحصل بالطبع ومنها ما يحصل بالعادة ومنها ما يحصل بالصناعة ومنها ما يحصل بالاتفاق ويذكر الفرق بين هذه الأصناف ثم يبطل مذهب من يرى من المتكلمين وفاقا لطائفة من الأقدمين أن القوة لا يكون إلا مع الفعل وزيف رأيهم ويبرهن على فساد قولهم ثم بين أن القوة على الشيء أي إمكان وجوده بعد ما لم يكن لا يمكن أن يكون جوهرا قائما بذاته بل يجب أن يكون قائما بموضوع له تعلق ما بذلك الموضوع بوجه من الوجوه أعم من تعلق العرض بموضوعه أو الصورة بمادتها أو المركب بجزئه أو النفس ببدنه ويفصل القول في ذلك ثم يرجع ويقول قولا مجملا إن كل حادث بعد ما لم يكن لا بد أن يسبقه مادة ويبرهن عليه ثم ينعطف إلى إبطال مذهب من يرى أن القوة على الإطلاق متقدمة على الفعل كما ذهب إليه طائفة من عامة القدماء وما يلزم من ذلك من جعل المبدإ الأول شيئا ناقصا خسيسا كالظلمة أو الهاوية أو شيء لا يتناهى

[ في بيان معاني القوة ]

قوله إن لفظ القوة وما يرادفها إلى آخره أن مفهوم لفظ القوة يقال بالاشتراك الاسمي على أمور كثيرة ويقع فيها بقول كثير ولكنها وضعت أول ما وضعت للمعنى الموجود في الحيوان الذي به يمكنه أن يكون مصدر الأفعال شاقة من باب الحركات والتحريكات ليست بأكثرية الوجود عن نوعه سواء كانت بحسب الكمية أو بحسب الكيفية ويسمى ضد هذا المعنى الضعف وكأنه زيادة وشدة في المعنى الذي هو القدرة التي هي إحدى الكيفيات النفسانية والملكات الحيوانية المفسرة يكون الحيوان إذا شاء فعل وإذا لم يشأ لم يفعل وضدها العجز بل يقول إن القوة بالمعنى الأول مبدأ أو لازما أما المبدأ فهو القدرة التي للحيوان وأما اللازم فهو أن لا ينفعل الشيء بسهولة فجعلت القوة للمعنى الذي لا ينفعل لأجله وبسببه الشيء بسهولة فإن المزاول الحركات الكثيرة ومباشر الأفعال الشاقة أن يطرأ له انفعال ويلحقه ضعف ووهن فصار انفعاله والألم العارض له مما يصده عن إتمام فعله فلا جرم صارا للانفعال دليلا على الشدة والانفعال الظاهر المحسوس دليلا على الضعف وإذا ثبت ذلك فنقول إن الجمهور نقلوا اسم القوة إلى ذلك المبدإ فسموا القدرة قوة وإلى ذلك اللازم فسموا للانفعال قوة ثم نقول إن القوة على ذلك المعنى لها وصف عام كالجنس لها ولها لازم أيضا أما الذي كالجنس فكونها صفة مؤثرة في الغير وأما اللازم فهو الإمكان لأن القادر لما صح منه أن يفعل وصح منه أن لا يفعل كان صدور الفعل كلا صدوره عنه في محل الإمكان فكان الإمكان الوقوعي لازما لوجوده وإذا ثبت ذلك فاعلم أن الفلاسفة نقلوا اسم القوة تارة إلى الجنس فأطلقوا لفظ القوة على كل صفة أو حال في شيء مؤثرة في الغير من حيث هو غير سواء كانت جوهرا أو عرضا وكانت معها إرادة أو لم يكن حتى إنهم سموا الحرارة قوة من حيث إن لها تأثيرا في غيرها وكذا الطبيعة الجوهرية إذا حركت ذاتها بالحركات الطبيعية أو غيرها بالحركات القسرية أو النفس إذا عالجت نفسها في الأمراض النفسانية أو شخصها أو غير شخصها في الأمراض البدنية يسمى كلها قوة لأن كلا منها مبدأ التغير منه في آخر من حيث هي آخر حتى إذا كان مبدأ للتغير منه في نفسه كما في بعض هذه الأمثلة لم يكن ذلك لأنه هو ونفسه شيء واحد بالذات بل لأنه ونفسه شيئان مختلفان بوجه من الوجوه المكثرة للذات من اختلاف الحيثيات التقيدية ولا يكفي هاهنا اختلاف الحيثيات التعليلية فالنفس مثلا إذا صارت مبدأ لمعالجة نفسها فهي بما لها ملكة العلاج أعني الصورة العلمية الراسخة معالجة وبما لها قوة القبول والانفعال مستعجلة فليست من حيث هي أمر قابل للعلاج مبدأ له بل من حيث هي غيره فكان هاهنا شيئين مفترقين في جزءين لها شيء له قوة أن يفعل وشيء له قوة أن ينفعل وكذلك للمتحرك بطبعه شيئان صورة ومادة فهو المحرك بصورته والمتحرك بمادته وتارة نقلوا اسمها إلى ذلك اللازم وهو الإمكان فيقولون للثوب الأبيض إنه بالقوة أسود أي يمكن أن يصير أسودا وذلك لأنهم أي الفلاسفة حيث وجدوا الشيء الذي له القوة بالمعنى المشهور الأعم سواء كانت قدرة أو شدة في قوة أو عرضا أو طبيعة أو صورة أو نفسها ثانية أو حيوانية أو نفسانية فاعلة لشيء أو منفعلة عن شيء ليس من شرطها أن يكون بالفعل مبدأ فعل أو انفعال بل لها من حيث هي قوة على الإطلاق إمكان أن يفعل وأن لا يفعل إن كانت قوة على الفعل وإمكان أن تنفعل وأن لا تنفعل إن كانت قوة على الانفعال نقلوا اسم القوة إلى الإمكان فسموا الشيء الذي وجوده في حد الإمكان ليس بحسب الواقع موجودا بالقوة وهو المعدوم المترقب وجوده وهذا الإمكان ليس صفة له لأنه غير موجود بعد بل