أقول يريد أن يشير إلى الحركات المنسوبة - إلى النفس النباتية [ 1 ] - التي يفعل أفعالا مختلفة - من غير إرادة - وإلى القوى التي هي مبادي تلك الأفعال - وهي التي يسميها الأطباء قوى طبيعية - واعلم أن النفوس إنما تفيض على الأبدان المركبة - بحسب قرب أمزجتها من الاعتدال - وبعدها عنه كما مر - ولا بد في الأمزجة المعتدلة من أجزاء حارة بالطبع - وينبعث أيضا من كل نفس كيفية فاعلة - مناسبة للحياة تكون آلة لها في أفعالها - وخادمة لقواها وهي الحرارة الغريزية - فالحرارتان - تقبلان على تحليل الرطوبات الموجودة - في البدن المركب - وتعاونهما على ذلك الحرارة الغريبة من خارج - فإذن لولا شيء يصير بدلا لما يتحلل منه - لفسد المزاج بسرعة - وبطل استعداد الممتزج - لاتصال النفس به ففسد التركيب - فالعناية الإلهية جعلت النفس ذات قوة - تتخذ ما يشبه بدنها المركب بالقوة - وتحيله إلى أن تشبهه بالفعل فتضيفه إليه - بدلا عما يتحلل - وهي قوة لا تخلو ذات نفس أرضية عنها - ثم لما كانت الأسطقصات متداعية إلى الانفكاك - ولم يكن من شأن القوى الجسمانية - أن تجبرها على الالتئام أبدا كما سيأتي بيانه - وكانت العناية
هامش
[ 1 ] قوله « يريد أن يشير إلى الحركات المنسوبة إلى النفس النباتية » بعد تمام الكلام في ادراكات النفس شرع في حركاتها . وحركاتها اما حركات النفس السماوية ، أو حركات النفس الأرضية ، وهي تصدر عنها اما بشعور وإرادة وهي الحركات الاختيارية ، أو بلا شعور فاما أن تكون تصرفات في مادة الغذاء وهي الحركات المنسوبة إلى النفس النباتية لوجودها في النباتات كما في الحيوانات . ومباديها يسمى قوة طبيعية ، وإما أن لا يكون كذلك كحركات النبض وحركات الأرواح عند عروض الكيفيات النفسانية . وهذا القسم لم يذكره الشيخ .
والقوى عنه الأطباء ثلاثة أجناس لأنها اما أن تكون مع الشعور وهي القوة النفسانية ، أو لا مع الشعور وهي اما أن تختص بالحيوان وهي القوة الحيوانية ، أو لا وهي القوة الطبيعية . والقوى الطبيعية اربع : غاذية ، ونامية ، ومولدة ، ومصورة لان فعلها اما لأجل الشخص ، أو لأجل النوع . وما لأجل الشخص اما لبقائه وهي الغاذية ، أو لكماله وهي النامية . وما لأجل النوع اما أن يكون لتحصيل المادة وهي المولدة ، أو لتحصيل الصورة وهي المصورة . فأراد الشارح التنبيه على وجه الحاجة إليها وهي ظاهرة .
واعلم أن الحرارة الغريزية وهي الحرارة السارية في ساير العروق التي بها النضج والطبخ وساير الافعال : في المعدة جزء منها به الهضم المعدى وبعض الفضول ، وفي الكبد جزء منها به يطبخ لطايف الكيلوس ويحصل الاخلاط ، وكذا في العروق وفي القلب معظمها حتى أنه يبخر -