وأجاب - بأن التعقل إن كان حصول ماهية المعقول للعاقل - كان المانع عن التعقل هو المادة لا غير - لأن كل ما ليس في محل فلكونه قائما بذاته - تكون حقيقته حاصلة لذاته فهو معقول لذاته عاقل لذاته - وكل ما يقوم بمحل لم تكن حقيقته حاصلة لذاته - بل لغيره - فلا يكون هو عاقلا لذاته ويصير معقولا لغيره بعمل - يعمل به ذلك الغير وهو الانتزاع - أقول هذا الجواب ليس كما ينبغي - فإن الجسم ليس في محل وليس عاقلا لذاته - والصورة المعقولة حالة في محل - وليست محتاجة إلى عمل يعمل بها لتصير معقولة - والحق أن المادة هاهنا هي الهيولى لا غير - فإنها هي المقتضية - لكون كل ما يحل فيها - من الصور والأعراض المحسوسة وغير المحسوسة - أشخاصا ذوات أوضاع - وهي وجميع ما يحل فيها يمكن أن تؤخذ من حيث هي كذلك - وحينئذ لا يكون شيء منها معقولا - ويمكن أن تؤخذ مجردة عن اللواحق المشخصة - وحينئذ يكون جميعها معقولا - وهذا هو منع المادة عن كون الشيء معقولا - وأما كون الشيء عاقلا - فهو يكون لقيامه بالذات بعد تجرده أيضا في ذاته - لا بسبب عمل عامل كما سيأتي بيانه
هامش
- البحث الثاني : ان المعاني التي يدركها الوهم مثل الحسن والقبح والصداقة والعداوة ليست جزئية بل متعلقة بالجزئيات والتعلق بالجزئيات لا يوجب الجزئية .
والجواب : أن تعلق الجزئيات وإن لم يوجب الجزئية الا انه لا ينافيها . والوهم لا يأخذ المعاني الا المخصوصة بمادة مادة بحيث لو قدر عدم صورة الذئب لم يتصور ادراك عداوته بشاة
والامام فسر المادة بالمحل سواء كان هيولى أو موضوعا . ثم سأل بأن المحل والحال يمكن تعقلهما معا كمن حكم بثبوت الشكل للخشب فقد تصورهما فلا يكون المادة مانعة عن تعقل الحال .
وأجاب : بأنه متى ثبت أن معنى التعقل حصول ماهية المعقول في العاقل كانت المادة مانعة عن المعقولية لا غير ذلك . وذلك لان ما لا يقوم بمحل كان قائما بذاته فيكون حقيقته حاصلا لذاته فهو معقول لذاته لان ذاته عاقلة لذاته فلا يكون معقولا لذاته والمعقول بذاته لا يحتاج في كونه معقولا إلى عمل بخلاف غير المعقول لذاته فإنه لا بد أن يعمل به عملا بل لا يصير معقولا بالفعل .
ونحن نقول : هاتان القضيتان غير بينتين فمن أين يستلزم عقل الشيء ذاته عدم احتياج عقل الغير إياه إلى عمل وعدم عقله بذاته الاحتياج . وعلى تقدير تسليم المقدمات لم يندفع النقض بتعقل الحال والمحل معا . وذلك ظاهر ، ونقض الشارح قوله « كل قائم بذاته فهو عاقل لذاته » بالجسم -