العقل مساغا في نسبتها إلى الأمزجة وكذلك قالوا في المعادن على اختلافها ولم يفكروا في خواصها وافعالها فيقولوا باي مزاج يجتذب المغناطيس الحديد ويهرب الحجر من الخل وقوم نظروا فعرفوا ذلك في النبات والحيوان واعترفوا بان خواصه من الأحوال والافعال تكون عن قوى خاصية لا عن مزاجه وامتزاجه واتضح لهم ذلك في النبات والحيوان لظهوره يتفنن افعاله وأحواله وهيئاته واشكاله على ما قلنا ولم يقولوا بذلك في المعادن لان شاهدها ابعد وتفنن أحوالها وافعالها أقل فجزموا القول وحتموا النظر فيها على أن اختلاف أنواعها وخواصها وطبائعها لاختلاف امزجتها وتشعب لهم من هذا النظر ان يحاولوا بتدابيرهم الصناعية عمل أنواع من أنواعها الطبيعية لاعتقادهم ان الطبيعة لم تفعل فيها غير المزاج والامتزاج وذلك مما يقدر عليه الانسان بصناعته ويتصرف فيه وبه بدق وسحق وطحن وشيء وطبخ وتصعيد وتقطير وحل وعقد وغفلوا عن الامتزاج والمزاج بين اجزاء الممتزجات مما لا يدركه حس فيتصرف فيه ولا عقل فيقدره ولا تجربة فتحصله وغفلوا عن القوة المعدنية والخاصية التي تفعل بادراك الصغير الباطن قبل الجليل الظاهر ويعد لها المزاج ويستعد لها الممتزج بحسب امتزاجه ومزاجه فما لا يعلم ولا يعرف كيف يقصد حتى يعمل فان قلبوا وبدلوا وزادوا ونقصوا وقصدوا بذلك ان يحدوا الغرض المقصود بين حدود الزيادة والنقصان وفي طريق التقليب والتبديل فذلك مما لا يتناهى ولا ينضبط فيما لا يتناهى فإذا وجد المزاج بان يعثر عليه المتصرف في تقليباته وزياداته ونقصاناته لم يتم الغرض بغير كمال معدنى زماني كالبيضة التي إذا وجدت لا تولد بغير حضان وفي كمال الزمان والحضان في المعدنيات هو في المعدن الذي لا يعرف فيطلب أو يعرف فلا يحوج إلى هذا الاعداد الصناعي ومثل الذهب والياقوت ونحوهما من نفائس المعادن انما يتكون في مدد مديدة ومواد مستعدة عتيدة فان الطويل البقاء من الكائنات طويل مدة الكون كما نجده في الحيوان والنبات وعملوا في ذلك قانونا علميا
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 195
مساهمون: ابو البركات
ص١٩٥