المدركات الأول التي لا تحتاج ان تعرف بغيرها في حد ولا رسم والمسمون يعبرون بلفظها عن أشياء متشابهة تختلف اختلافا ظاهرا بشدة وضعف كحرارة النار وحرارة الهواء وحرارة الماء المسخن والحديد المحمى ويعنون بكل واحد من هذه شيئا يعرفونه معرفة حسية أولية بغير حد ولا رسم فإذا أرادوا الفرق قالوا أشد وأضعف وان زادوا في التعريف نسبوها إلى ما هي فيه كحرارة النار وحرارة الشمس وحرارة بدن الانسان وحرارة الحمى الطارئة عليه فما منها ما لا يفرق المدرك له بينه وبين غيره فرقا أوليا في الادراك ولا يشتبه على أكثر اللامسين والمتفاوضين ما يدركونه ويعنونه ويفهمونه من ذلك وإذا أرادوا الفرق في المفاوضة أو ميز وابعد الاشتراك لكل واحد بما يتميز به من شدة وضعف وتأثير وفعل فيقولون ان حرارة النار لطيفة محرقة وحرارة الشمس لطيفة مسخنة مصلحة مفسدة منمية مذبلة بحسب المتأثرات وأحوالها المختلفة وازمانها المتفاوتة وحرارة الحيوان لينة نافعة وحرارة الحمى فيه مشرقة مؤذية وربما قالوا لذاعة محرقة - فننظر الآن في أصناف الحرارة واختلافها واتفاقها ومشابهة بعضها لبعض ومباينته - فنقول ان الأشياء المتفقة في حال عرضية قد تتفق وقد لا تتفق في القوة الجوهرية والحقيقة النوعية فان الفضة والرصاص قد يتفقان في تقارب المرأى وتشابه اللون وهما نوعان مختلفان والماء الحار والبارد يختلفان عند حس اللمس وهما نوع واحد وطبيعة واحدة وقد يشتد التشابه ويبعد الخلاف بين النوعين المختلفين من المحسوسات كضوء القمر وضوء المصباح وقد يكثر الاختلاف بين المتفقين في الحقيقة والنوع كالانسان الحبشي والانسان التركي فلا يلزم من اختلاف الحالين والنشئين اختلاف الطبيعتين والنوعين ولا من اتفاقهما اتفاقهما ولا من اتفاقهما اختلافهما ولا من اختلافهما اتفاقهما فكذلك نقول في الحرارة النارية والشمسية والحيوانية والمزاجية والغريزية ونستدل على الاتفاق والاختلاف بعد الاتفاق في الاسم وما وضع الاسم بحسبه بدلائل أخرى ان وجدناها .
الكتاب المعتبر في الحكمة — صفحة 198
مساهمون: ابو البركات
ص١٩٨