وأمّا الثبات واللاثبات فقد يجريان في الثانية بالقياس إلى الثابت الذي يعبّر عنه بالدهر وبقياس بعضها إلى بعض ، ويعبّر عنه بالزمان ؛ وذلك حيث إنّ نسبة المتغيّر إلى الثابت دهر وإلى المتغيّر زمان ؛ فعلى الأوّل قضاء وعلى الثاني قدر .
ثمّ لا يخفى : أنّه يصلح أن يكون لنظام الوجود اعتباران : أحدهما بما هو شخص واحد ، وثانيهما أشخاص متكثّرة ؛ وقد يعبّر عن ذلك بالسلسلة الطولية ؛ ولعلّ الإشارة إليهما بقوله تعالى :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 1 » وذلك على أن يكون المراد من ذلك الكتاب هو نظام الوجود الذي بمنزلة شخص واحد ؛ ومن قوله :
ثُمَّ فُصِّلَتْ
هو هذا أيضا لكن بشرط ملاحظة آياته على التفصيل ؛ فيصحّ أن يكون بالاعتبار الأوّل قضاء وبالاعتبار الآخر قدرا ، كما انّه يصحّ بذلك أن يكون مبدعا كما انّه بهذا الاعتبار غير مبدع إلّا الصادر الأوّل ؛ وذلك حيث إنّه لا يتوقّف وجوده على غيره - تعالى - مطلقا .
ثمّ إنّه لا يغادر بوجوده صغيرة من الموجودات ولا كبيرة إلّا أحصيها ؛ فلا يصحّ أن يكون ممكن ما خارجا ليمكن توقّفه عليه ؛ فيشبه أن يكون نسبته - تعالى - إليه كنسبته إلى معلوله الأوّل في السلسلة الطولية ؛ فيكون كلاهما في حدّ الإبداع الذي عليه خواصّ الحكماء من أنّه عبارة عن إيجاد لا يتوقّف على غير جاعله - تعالى - سواء كان مادّة أو غيرها ؛ وأمّا الإبداع على ما عليه عوام الحكماء فهو المشهور بين المتأخّرين من أنّه إيجاد لا يتوقّف على المادّة والمدّة وإن كان متوقّفا على غيرهما من الشرائط ؛ فيشمل ما عدا الصادر الأوّل من المفارقات مطلقا . فالإبداع عند خواصّ هؤلاء الأعلام أخصّ من الإبداع عند عوام أولئك الأقوام .
فقد بان أنّ نظام الوجود قضاء وقدر بثلاث اعتبارات .
وبالجملة : « 2 » انّ الحقّ الأوّل يدرك الأمور المبدعة عن قدرته لا من جهة تلك الأمور ؛
هامش
( 1 ) . هود / 1 .
( 2 ) . ح : - ثمّ إنّ تلك الموجودات العينية باعتبار وجوداتها الرابطية . . . وبالجملة .