تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
صاحب الصحاح يقال إذا سألت فاسجح أي سهل ألفاظك وأرفق والمعنى أن العارف لا بد وأن يكون قوته منقوصا فإذا قيل إنه أمسك أيضا عن ذلك القدر المنقوص وتركه فلا يستبعد ذلك لان لذلك أسبابا معلومة مشهورة في الطبيعيات

( تنبيه [ في انتقاض الحكم بامتناع الامساك ]

يذكر أن القوى الطبيعية التي فينا إذا اشتغلت عن تحريك المواد المحمودة بهضم المواد الرديئة انحفظت المواد المحمودة قليلة التحلل غلبة عن البدل فربما انقطع عن صاحبها الغذاء مدة طويلة لو انقطع مثله في غير حالته بل عشر مدته هلك وهو مع ذلك محفوظ القوة ) التفسير قال الغرض من هذا الفصل ذكر مثال لهذه المسألة دفعا للاستبعاد فان الانسان قد يبقى في المرض الحار مدة مديدة من غير تناول الغذاء وإذا عقل ذلك هناك فليعقل مثله في هذه المسألة لا يقال بينهما فرق لان الحرارة لغريزية مشغولة بتحليل الاخلاط الفاسدة فلا جرم لا تتفرغ لتحليل الرطوبات الأصلية بخلاف ما هاهنا لأنه ليس هاهنا رطوبات فضلية تشتغل الحرارة بتحليلها لأنا نقول تأثير الحرارة في تحليل الرطوبات الفاسدة لا يمنع من تأثيرها في تحليل الرطوبات الصالحة لان الرطوبات البدنية قابلة للتحليل في الجملة والحرارة محللة والحرارة الغريبة مما يعين الحرارة الغريزية على التحليل فان الحرارة الغريزية أولى بالحفظ والحرارة الغريبة أولى بالتحليل وإذا كان كذلك فالرطوبات التي تتحلل بالحرارة الغريزية أولى بان تتحلل عند حصول الحرارة الغريبة معها فثبت ضعف العذر المذكور

( تنبيه [ في بيان وجه الامساك عن القوت عن عوارض نفسانية ]

أليس قد بان لك ان الهيئات السابقة إلى النفس قد تهبط منها هاهنا هيئات إلى قوى بدنية كما قد تصعد من الهيئات السابقة إلى القوى البدنية هيئات تنال ذات النفس وكيف لا وأنت تعلم ما يعترى مستشعر الخوف من سقوط الشهوة وفساد الهضم والعجز عن أفعال طبيعية كانت مواتيه ) التفسير لما فرغ من دفع الاستبعاد بالمثال المذكور شرع الآن في ذكر السبب على سبيل الجملة بناء على الأصول الممهدة في النمط الثالث فإنه ثبت هناك انه ربما وقعت هيئة أولا في النفس ثم هبطت إلى القوى البدنية وربما كانت بالعكس فحصلت هيئة في القوى البدنية ثم صعدت إلى النفس وإذا كان كذلك فلا امتناع في أن يكون استغراق نفس العارف في محبة اللّه تعالى وانصرافها عن العلائق الجسمانية بالكلية سببا لان تنزل منها إلى القوى الطبيعية هيئات مناسبة لتلك الهيئة حتى أنها لا تشتغل بتحليل الأجزاء الأصلية فلا يحصل الجوع وكيف يستبعد ذلك ونحن نعلم أن الخوف الشديد ربما أوجب سقوط الشهوة وفساد الهضم واختلال أفعال القوى الطبيعية فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون هاهنا كذلك بل هذا أولى لان هاهنا النفس مستكملة فلا استبعاد أن تتقوى عند استكمالها على حفظ المزاج الأصلي عند التحليل وهذا الفصل مفسر من قوله عليه السلام أبيت عند ربى يطعمني ويسقيني

( تنبيه [ في بيان أن وجه إمساك العارف عن القوت هو توجه نفسه إلى العالم القدسي ]

إذا راضت النفس المطمئنة قوى البدن انجذبت خلف النفس في مهماتها التي تنزعج إليها احتيج ا ولم يحتج فإذا اشتد الجذب اشتد الانجذاب واشتد الاشتغال عن الجهة المولى عنها وقفت الافعال الطبيعية
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 125 | فخر الدين الرازي