معا في حصول الوجود بل قبليته قبل أيضا لا تثبت مع البعد ومثل هذا ففيه تجدد بعدية بعد قبلية باطلة وليس تلك القبلية هو نفس العدم فقد يكون العدم بعد ولا ذات الفاعل فقد يكون قبل ومع وبعد فهو شيء آخر لا يزال فيه تجدد وتصرم على الاتصال وقد علمت أن مثل هذا الاتصال الذي يوازى الحركات في المقادير لن يتألف من غير منقسمات ) التفسير الغرض من هذا الفصل الاستدلال على تقدم الزمان وتقريره أن كل ما حدث بعد ما لم يكن فان عدمه قبل وجوده وليس كون هذا العدم قبلا للوجود مثل كون الواحد قبلا للاثنين لان الواحد والاثنين قد يحصلان معا في الوجود واما هاهنا فالعدم السابق والوجود الحاضر لا يتقار بان ثم هذه القبلية اما أن تكون عبارة عن نفس العدم أو عن نفس الفاعل أو عن أمر زائد لا جائز أن تكون عبارة عن نفس العدم لأن عدم ذلك الشيء قد يحصل بعد وجوده والقبلية يستحيل حصولها بعد وجود ذلك الغير ولا جائز أن تكون عبارة عن ذات الفاعل لأنها قد تحصل قبل وجود الشيء وبعده ومعه والقبلية لا تكون كذلك فاذن هذه القبلية أمر زائد عليهما ثم تلك القبلية أيضا أمر حادث فهي مسبوقة بشيء آخر والكلام في الأول كالكلام في الثاني فيلزم أن يكون قبل كل حادث حادث لا بذاته ثم نقول وهذه القبليات والبعديات مطابقة للحركات التي يستحيل تألفها من أمور غير منقسمة والا لكانت المسافة كذلك أيضا ولزم القول بالجزء وإذا كان كذلك استحال أن يكون الامر الذي تلحقه القبلية والبعدية متألفا من أمور وغير قابلة للقسمة ولقائل أن يقول لا نسلم أن القبلية والبعدية والمعية أمور ثبوتية وبيانه من ثلاثة أوجه الأول أن هذه الأمور لو كانت أمورا وجودية في الخارج فهي متى نسبت إلى غيرها فلا بدّ أن تكون موجودة اما قبل ذلك الغير أو معه أو بعده فيلزم أن يكون للقبلية قبلية أخرى أو معه أو بعده ثم الكلام فيها كالكلام في الأول ويلزم التسلسل لا يقال القبلية تكون قبلا لذاتها لا لغيرها فانقطع التسلسل لأنا نقول كون الشيء قبلا لشيء آخر إضافة عارضة بالنسبة إلى الغير والإضافة العارضة للشيء بالنسبة إلى الغير متأخرة عن المعروض والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون نفس الشيء وعينه فإذا كون القبلية قبلا لشيء آخر أو معاله أو بعدا له يستحيل أن تكون عين ذاته وحينئذ يتوجه الاشكال وأيضا فتلك القبلية لا بد وأن تكون مسبوقة بقبلية أخرى فتكون احدى القبليتين بعد الأخرى فتكون إحداهما موصوفة بالبعدية بالنسبة إلى شيء وبالقبلية بالنسبة إلى شيء آخر وما كان كذلك لا يكون كونه قبلا لشيء وبعد الشيء آخر نفس ذاته بل إضافات زائدة على ذاته عارضة لها ويعود المحذور الثاني أن القبل قبل بالنسبة إلى البعد والمضافان لا يوجدان في العقل والخارج الا معا ولو كانت القبلية صفة وجودية لما وجدت الا مع البعد فيلزم أن يكون البعد الزماني من حيث إنه بعد زماني موجودا حال القبل الزماني من حيث إنه قبل زماني وذلك ينافي كونه قبلا وبعد الثالث وهو أن المقدمة الأولى من المقدمات هذه الحجة التي ذكرتموها أن عدم الحادث قبل وجوده فوصفتم العدم بالقبلية فلو كانت القبلية صفة وجودية لزم اتصاف المعدوم بالموجود وانه محال وان تركوا تلك المقدمة وذكروا بدلها مقدمة أخرى وهي أن كل محدث فهو مسبوق بوجود شيء آخر كان ذلك نفس المطلوب فيستحيل جعله مقدمة في اثباته وإذا ثبت أن القبلية والبعدية ليستا من الأمور الثبوتية لم يكن هنا حاجة إلى اثبات موجود سابق على وجود الحادث ليكون ذلك الشيء موصوفا بالقبلية ثم لئن تجاوزنا عن هذا المقام لكنا نقول هذا الاشكال وارد عليكم أيضا لان كل واحد من أجزاء الزمان سابق على الجزء الآخر وليس هذا السبق كسبق الواحد على الاثنين فان أجزاء الزمان لا توجد معا وان كان هذا النوع من القبلية لا يحصل الا بالزمان ثم إنه حاصل أيضا في نفس الزمان فليفتقر الزمان إلى زمان آخر وان كان لا يفتقر إلى زمان فقد بطل الاستدلال بالكلية لا يقال الفرق بين تقدم عدم الحادث على وجوده وبين تقدم بعض أجزاء الزمان على بعض من وجهين الأول ان الزمان موجود منقض لذاته بمعنى أن ماهيته وحقيقته تقتضى لذاتها أن
يكون بعض أجزائها قبل البعض فلا جرم استغنت القبلية والبعدية الحاصلتان فيه عن زمان آخر فاما الحركات فليست كذلك لان الجزء المتقدم يعقل حصوله متأخرا وبالعكس فلا جرم لم يكن كونها قبلا وبعد النفس ذاتها فلا بد وأن يكون لامر آخر الثاني وهو أنا لو اعتقدنا أن كل واحد من أجزاء الزمان مسبوق بجزء آخر كفى ذلك في حصول معنى القبلية والبعدية لان المعنى يكون اليوم متأخرا عن الأمس أنه غير حاصل عند حصول الأمس فاما أنتم إذا لم تثبتوا قبل أول الحوادث شيأ أصلا لم يمكنكم أن تشيروا قبل أول الحوادث إلى شيء ما حتى تقولوا بان المعنى بحدوث هذا الشيء أنه لم يكن حاصلا عند حصول ذلك الشيء فظهر الفرق لأنا نجيب عن الأول من وجهين
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 222
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢٢