تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥

( وهم تنبيه [ في أن ما سبق إلى أوهام الجمهور في احتياج المفعول إلى الفاعل ]

انه قد يسبق إلى الأوهام العامية أن تعلق الشيء الذي يسمونه مفعولا بالشيء الذي يسمونه فاعلا هو من جهة المعنى الذي به يسمى العامية المفعول مفعولا والفاعل فاعلا وتلك الجهة أن ذلك أوجد وصنع وفعل وهذا أوجد وصنع وفعل وكل ذلك يرجع إلى أنه قد حصل للشيء من شيء آخر وجود بعد ما لم يكن وقد يقولون إنه إذا أوجد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل حتى أنه لو فقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجودا كما يشاهدونه من فقدان البناء وقوام البناء وحتى أن كثيرا منهم لا يتحاشى أن يقول لو جاز على الباري لعدم لما ضر عدمه وجود العالم لان العالم عنده انما احتاج إلى الباري في آن أوجده أي أخرجه من العدم إلى الوجود حتى كان بذلك فاعلا فإذ قد فعل وحصل له الوجود عن العدم فكيف يخرج بعد ذلك إلى الوجود عن العدم حتى يحتاج إلى الفاعل وقالوا لو كان يفتقر إلى الباري تعالى من حيث هو موجود لكان كل موجود متقرا إلى موجد آخر والباري تعالى أيضا موجود وكذلك إلى غير النهاية ونحن نوضح الحال في كيفية ذلك وفيما يجب أن يعتقد في هذا التفسير ) قال رضى اللّه عنه المشهور أن احتياج الفعل إلى الفاعل لحدوثه وان الفعل يستغنى عن الفاعل حال بقائه حتى لو فنى الفاعل حال بقاء الفعل لم يلزم من عدمه عدم الفعل واحتجوا عليه بأمور أحدها أن البناء يبقى بعد فقدان البناء وثانيها أن الفاعل حال بقاء الفعل اما أن يكون له أثر في الفعل أو لا يكون فإن كان له أثر فذلك الأثر اما الذي حصل أولا وهو محال وأما غيره فحينئذ يكون المحتاج هو ذلك الغير الحادث وأما الباقي فهو غنى عنه وأما ان لم يكن له فيه أثر كان ذلك اعترافا باستغناء الفعل حال بقائه عن ذلك المؤثر وثالثها وهو أن افتقار الحادث إلى الفاعل ليس الا في الامر الذي يستفيده من الفاعل وذلك اما الوجود وهو محال والا لافتقر ذلك الفاعل لكونه موجودا إلى فاعل آخر ووجود مسبوق بالعدم وذلك يقتضى أن تكون علة الحاجة هي الحدوث ولنرجع إلى تفسير المتن قوله انه قد يسبق إلى الأوهام العامية إلى قوله وكل ذلك يرجع إلى أنه قد حصل للشيء من شيء آخر وجود بعد ما لم يكن فاعلم أنه يجب البحث عن مراد الشيخ بتعلق المفعول بالفاعل فإنه يحتمل أمرين أحدهما البحث عن المحتاج وثانيهما البحث عن علة الحاجة والفرق بين الامرين ظاهر وأما المحتاج إلى الفاعل فلا نزاع بين العقلاء أنه هو الموجود وأما علة الحاجة فالخلاف واقع فيها فالمتكلمون زعموا أن علة حاجة الفعل إلى الفاعل هي الحدوث والحكماء زعموا أنها هي الامكان والمتكلمون لا يطلقون اسم الفعل الا على ما وجد بعد العدم ولا يطلقون اسم الفاعل الا على ما أثر في ايجاد الشيء بعد ان لم يكن مؤثرا فيه والحكماء يطلقون لفظ الفعل والفاعل على كل ممكن مفتقر إلى الغير ولفظ الفاعل على كل موجود يفتقر اليه الغير وهذا البحث الثاني لغوى صرف وأما البحث الأول فعقلى صرف وأما قوله وقد يقولون إنه إذا أوجد فقد زالت الحاجة إلى الفاعل حتى أنه لو فقد الفاعل جاز أن يبقى المفعول موجودا فاعلم أن المراد منه أن المحدث حال بقائه يستغنى عن السبب عندهم وانما قال وقد يقولون لان المتكلمين بأسرهم لا يقولون بهذا القول فان طائفة عظيمة منهم ذهبت إلى أن الباقي انما يبقى ببقاء قائم وذلك البقاء غير باق بل اللّه تعالى يخلقه حالا بعد حال وعلى هذا الباقي لا يكون غنيا حال بقائه عن الفاعل لأنه حال بقائه مفتقر إلى حال المفتقر إلى الفاعل ومنهم من أنكر ولكن زعم أن الجوهر مفتقر حال بقائه إلى اعراض آخر غير باقية فيكون الجوهر على هذا التقدير أيضا مفتقرا إلى الفاعل حال بقائه بالطريق الذي بيناه وإذا كان بعض المتكلمين ذهبوا إلى هذا القول لا جرم ما حكى عنهم بأسرهم أنهم يقولون باستغناء الباقي عن الفاعل مطلقا بل حكى عنهم أنهم قد يقولون ذلك أما قوله كما يشاهدونه من فقدان البناء وقوام البناء فاعلم أن هذا إشارة إلى الحجة الأولى التي حكيناها عنهم وأما قوله وحتى أن كثيرا منهم لا يتحاشى أن يقول لو جاز على الباري تعالى العدم لما ضر عدمه وجود العالم فاعلم أنه رجوع مرة