الفصل الثالث والثلاثون في البحث عن زرع الرجل أهو حيّ أو ميت أمتنفّس هو أو غير متنفّس
أقول انّ الزرع الذي يصلح للصورة البشريّة هو حيّ متنفّس بالقوّة . وذلك مثل وجود الأضراس بالطفل واللحية بالحدث . امّا الزرع الذي يبرز في الحلم أو المرض أو في غيره فذاك مثل البصاق والعرق والدموع وغيرها
الفصل الرابع والثلاثون في انّ النفس لا تستحيل بالطبع
واعلم انّ النفس لا تستحيل بالطبع ولا يطرأ عليها تبلبل وإذا اصلبها الغيار انّما يصيب صفاتها دون جوهرها وذاتها . ويبلغ هذا الغيار الغاية القصوى فينتهي امّا إلى الرذائل وامّا إلى الفضائل . ويمكنه الاستحالة من أحد الطرفين إلى الآخر . ولولا ذلك لكان امتنع عليها تحصيل العلم والعمل اللذين هما المطلوبان منها ولأجلهما خلقت وارتبطت بالبدن بقدرة العزيز الحكيم تبارك اسمه
الفصل الخامس والثلاثون في بيان انّ النفس هي تدبّر الجسد وتسوسه
لا يخفى انّ الجسم آلة للنفس وهي الفاعلة به ويلزم الفاعل بالآلة ان يدبّرها ويسوسها فالنفس اذن تدبّر البدن وتسوسه . والدليل على ذلك ان النفس تمنع البدن وتردعه مرارا عديدة عن شهواته في سبيل فوائدها وتأبى العمل بما يرضيه وتلزم القانون الذي يضادّ طبيعة الجسد فيظهر بهذا انّها هي السائسة . وإذا غلبت النفس بالدواعي البدنيّة والشهوات الدنيويّة من المآكل والمشارب اللذيذة والملابس البهيّة وهويت ذلك فيكون الامر بعكس المطلوب إذ يصير البدن حاكما عليها وقاهرا لها وتلك شرّ الأحوال العياذ بالله من عواقبها واعلم انّ الآلة تقال على ضربين ضرب صناعيّ وضرب طبيعيّ . فالصناعيّ مثل آلة النجّار فانّها مباينة لذاتها وهذه تسمّى أداة . واما الطبيعي فمثل البدن والنفس اللذين يتركّب منهما الانسان لواحد ويتمّ حدّه بهما معا . فهذا هو المراد بانّ البدن هو آلة النفس . واما تدبيرها له فبالحواسّ العشر : خمس ظاهرة وهي البصر والسمع والشمّ